السبت، 13 يونيو 2020

البيوغرافيا في الدراسات الاجتماعية

سفيان ميمون


في مفهوم وخصائص المنهج البيوغرافي 
 تشير البيوغرافيا biographie إلى كتابة الحياة أو سيرة الحياة فكلمة  "bio"  تعني الحياة  ، وكلمة  " graphie"   تشير إلى الكتابة ، ويتم استخدام المنهج البيوغرافي في الدراسات الاجتماعية باعتباره أحد المناهج الكيفية التي أصبح لها قيمة كبيرة في فهم المجتمع في بنائه وثقافته ، فقد ساهم هذا المنهج في تكريس أهمية الفرد باعتباره مدخلا لفهم الجماعة ، هذه النظرة التي تبلورت مع المدرسة الألمانية حين نقدها للتصور "الوضعي " الذي يلغي الفرد ولا يعترف إلا بما هو كلي جماعي .
ويمكن التفريق بين السيرة الحياتية ( الغيرية) biographie والتي يكتبها كاتب عن شخص آخر ، وبين السيرة الذاتية autobiographie التي يكتبها الشخص عن نفسه ، وقد كانت السيرة الحياتية ( البيوغرافيا ) أسبق في الظهور من السيرة الذاتية حيث يرجعها بعض الباحثين إلى الحضارة المصرية القديمة حينما دونت حياة الملوك والقواد على أحجار المعابد والمقابر والأهرامات.
ويتم تداول السيرة الحياتية بشكل أوسع في الحقل الأكاديمي من السيرة الذاتية لقيام السيرة الحياتية على بعض الأسس الموضوعية حيث تستند في عملها ومن أجل الحصول على  المعلومات على الوثائق وإجراء المقابلات مع الشخص ذاته أو مع بعض الأفراد القريبين منه ، عكس السيرة الذاتية التي يمكن للذات خلالها أن تتغلب على الموضوع فيعمد الراوي مثلا إلى إخفاء أو تزوير الأحداث انتصارا لذاته وتحقيقا لما يريد ، وبهذا تتجسد سيرة الحياة في اتجاه الباحث ( الكاتب) نحو شخص معين طالبا منه تاريخ أو قصة حياته ، غير أن الباحث لا يستهدف الشخص في ذاته فحسب ، ولكنه يرمي إلى الإحاطة ببعض الخصائص الاجتماعية والثقافية للجماعة التي تحيط بالفرد .
ويفضل بعض الباحثين الحديث عن المنهج " الإثنو بيوغرافي " الذي يستخدم في علم الاجتماع  والأنثروبولوجيا وبعض العلوم الاجتماعية الأخرى ، عندما يكون المقصود هو الإلمام بالوقائع الاجتماعية وتحليلها ، مقابل المنهج ' البسيكو بيوغرافي " الذي يتصل بعلم النفس، وهنا تشير الإثنو بيوغرافيا إلى سيرة الحياة الاجتماعية والثقافية للفرد المندمج في الجماعة ، فيكون المقصود من السيرة هو الجماعة من خلال الفرد كمدخل فقط لفهم هذه الأخيرة .
إن الذي يزيد من قيمة الإثنوبيوغرافيا هو أن صاحب السيرة حتى وإن تكلم بصيغة المفرد " أنا " فإنه يشترك مع كل من يحيطون به ويتفاعلون معه ، فهو ليس سوى جزء من الجماعة ، وهو خاضع لمجموعة من الأطر الثقافية والاجتماعية التي تنمط تفكيره ورؤيته للأشياء ، كما أن النظر للفرد باعتباره مندمجا في جماعة يسمح - ومن خلال منهج السيرة - بالاقتراب أكثر من العلاقات الاجتماعية الأولية  كجماعة الرفاق وجماعة الحي والجيران والجمعيات وغيرها ، إنه صورة مصغرة للمجتمع الذي يعيش فيه لذلك يعكس الفرد في خضم هذا المنهج طريقة تفكير وعيش هذا المجتمع ، كما يدل أيضا على مختلف الضغوط الاجتماعية التي يخضع لها أفراد المجتمع الذين تشبه وضعيتهم الاجتماعية وضعية صاحب السيرة ، هذه الضغوط التي كثيرا ما يتم إخفاؤها من قبل الطبقات المسيطرة لتصبح السيرة بمثابة إعادة كتابة التاريخ من خلال المهمشين والمستضعفين الذين همشهم التاريخ الرسمي وأهملتهم الوثائق التي دونها الأقوياء .
ويختار الباحث في السوسيولوجيا صاحب السيرة بدقة وعناية ، فكثيرا ما يتجه نحو كبار السن بغية الحصول على سيرهم لأنها سير غنية وذات علاقات متشعبة ،  إضافة إلى نضج هؤلاء بما يفيد في تحليل وتدقيق المعطيات التي يتم حكيها ، كما يختار الباحث سيرا من  أصحاب الخبرة الذين لهم علاقة بالظاهرة التي يشتغل عليها .
لا يستمد منهج السيرة قيمته من نوعية صاحب السيرة ومن طبيعة المعلومات التي يتم الحصول عليها فحسب ، بل إن لهذا المنهج قيمة من الناحية المنهجية أيضا ، فعلى خلاف المناهج الأخرى التي تنبني على علاقة تقليدية بين الباحث والمبحوث يمارس خلالها الباحث سلطته على المبحوث ، من خلال امتثال هذا الأخير للباحث واعتباره فقط مصدرا للمعلومات من دون أن يكون مشاركا في تنظيم وترتيب هذه المعلومات  ، نجد المبحوث في خضم منهج السيرة شريكا أساسيا في عملية البحث من خلال قيام المبحوث ( الراوي) جنبا إلى جنب مع الباحث بتنظيم وانتقاء المعلومات بما يعطي للمبحوث نوعا من السلطة تسمح له بتوجيه الباحث من الناحية المعرفية والمنهجية خلافا لما هو معهود في المناهج الأخرى.
البيوغرافيا في التاريخ وعلم الاجتماع
ويمكن لنا أن نستقصي منهج السيرة في تطوره واستخداماته في العديد من الحقول المعرفية ، لكننا نقتصر هنا على الإشارة إلى حقلين نراهما من الحقول الأساسية التي تطور فيهما هذا المنهج وساهم بقسط معين في تفسير وفهم بعض الظواهر التي يضمها هذان الحقلان ، وهما حقل الدراسات التاريخية وحقل الدراسات الاجتماعية وبخاصة دراسات علم الاجتماع  والأنثروبولوجيا .
ففي مجال الدراسات التاريخية يمكن الرجوع إلى ما سمي بالمدرسة  المنهجية ( الوضعية) التي حاولت أن تفرض نوعا من الصرامة العلمية على البحوث التاريخية من أجل الاقتراب  أكثر من الموضوعية بمحاولة تحييد الذات ، ورغم هذا فقد بقي الفرد عاملا جوهريا في بحوثها خاصة في وصفها للأحداث الفردية وأفعال رجال السياسة والدين والجيش ..الخ ، والعمل موازاة مع ذلك على استبعاد الجانب الخيالي والمثالي في وصف حياة وأفعال هؤلاء مراعاة للموضوعية .
وخلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر ازدهرت السيرة بفضل هذه المدرسة التي أعطت القيمة للفرد في كثير من الدراسات البيوغرافية ، لكن هذه البحوث تراجعت بعد الحرب العالمية الأولى نتيجة بروز مؤرخين أسسوا لمدرسة جديدة سميت ب" مدرسة الحوليات " انطلاقا من عام 1929 على يد مارك بلوخ  و لوسيان فيفر ،هذه المدرسة التي شككت في البيوغرافيا وحطت من قيمتها واعتبرتها مجرد وهم  إلى غاية 1970  .
لقد كان السبب في رفض مدرسة الحوليات للبيوغرافيا هو نظرتها الشمولية المنفتحة على جوانب العلوم الاجتماعية المختلفة ( اقتصاد ، اجتماع ،سياسة ، تاريخ،..) ، بل إن الهدف من التمحور حول مجلة الحوليات التي أسسها بلوخ وفيفر والتي سميت المدرسة باسمها هو إيجاد رابط بين العلوم الاجتماعية المختلفة ، ذلك ما أدى إلى استهجان النوع البيوغرافي باعتباره رمزا معرفيا تقليديا لا يتجاوز دوره تكوين معرفة بالفرد دون أن يكون له دور الإحاطة بمحيط هذا الفرد في جوانبه المختلفة ، غير أن هذا الاستهجان الذي أدى إلى تراجع السيرة مقابل انفتاح التاريخ على المجتمع بجوانبه المختلفة لم يمنع بعض الأنواع البيوغرافية من المحافظة على  تواجدها خلال هذه الفترة مثل البيوغرافيا النموذج والتي تنطلق من الفرد ليس كمركز ولكن كمدخل لفهم الجماعة ،  وحيث ينظر للفرد كمنوذج لفترة أو جماعة معينة ،  والبروسوبوغرافيا التي تهتم بالتقاطعات المختلفة بين الأفراد ، أي رصد الخصائص المشتركة للأفراد الذين لهم مميزات مشتركة مثل انتمائهم إلى نفس المهنة أو الطائفة أو التخصص ... الخ.
وفي الوقت الذي ساد فيه تيار البنيوية أصبحت الذات هي الغائب الأكبر ، فقد قدمت البنيوية نفسها كموضة فكرية غطت على باقي المقاربات الأخرى ، غير أن التغيرات الحاصلة في أوروبا وعلى رأسها ثورة 1968 في فرنسا وأوروبا عامة أفقد البنيوية شيئا من بريقها ، مما عجل ببروز تيار فكري ناقد وصف بأنه فكر " ما بعد بنيوي " ، وفي سياق هذا التيار عادت الذات من جديد وأصبح للفرد قيمته ومكانته باعتباره مدخلا للتحليل والفهم .
وبالعودة للذات وللفرد وللفاعل عادت البيوغرافيا من جديد معلنة عن "انفجار بيوغرافي " مثلما يصور ذلك الباحث الفرنسي " فرانسوا دوس" الذي أورد في كتابه " الرهان البيوغرافي – كتابة سيرة" بعض الإحصائيات حول الكتابات البيوغرافية في فرنسا خلال العقدين الأخيرين ، فقد نشرت حسبه 200 بيوغرافيا عام 1985 و611   بيوغرافيا عام 1996 و  1043 بيوغرافيا عام 1999 ،أي أنها في تصاعد مستمر ، ويستثنى من هذه البيوغرافيات السير الذاتية والبحوث الأكاديمية ، ومما ساهم في انتعاش البيوغرافيا في هذه الفترة ظهور بعض المقاربات في مجال التاريخ في بلدان أوروبية مختلفة مثل مقاربة التاريخ من أسفل التي ظهرت في إنجلترا و مقاربة الميكرو تاريخ التي ظهرت في إيطاليا ومقاربة تاريخ الحياة اليومية في ألمانيا ، هذه المقاربات التي تعبر عن نظرة واحدة تقريبا وهي ضرورة توجيه النظر في التاريخ إلى الأسفل ، أي إلى حياة الناس العاديين بدلا من الاهتمام فقط بحياة المرموقين  وأصحاب النفوذ في المجتمع ، وضرورة الرجوع إلى تفاصيل الحياة اليومية في جوانبها الجزئية والمحلية.
و إذا أردنا استقصاء منهج السيرة في مجال علم الاجتماع والأنثربولوجيا فإنه يتعين علينا الرجوع إلى الدراسة التي قدمها " وليام توماس" و " فلوريان زنانيكي " من جامعة شيكاغو عن الفلاح البولندي في أوروبا وأمريكا بين عامي 1918 و 1920 ، كما يتعين علينا أيضا الرجوع إلى الدراسة التي قدمها "أوسكار لويس" من الجامعة ذاتها خلال الستينات عن "سيرة أبناء سانشيز" وفيها حاول بناء سيرة حياتية لأسرة مكسيكية من خلال رصد سيرة أفراد عائلة سانشيز ، بالإضافة إلى المساهمة التي قدمها " هارولد غارفينكل خلال الستينات دائما من خلال ماعرف بالإثنية المنهجية  " éthnométhodologie   ، والتي اهتمت بالدراسات الميكروسوسيولوجية وبالأبحاث الميدانية وكان ذلك على وجه الخصوص بفضل كتابه " دراسات في المنهج الإثني " الذي حاول من خلاله - وبتأثير واضح من " ألفرد شوتز" الذي يمثل تيار " الفينومينولوجيا" في علم الاجتماع-  أن يفهم الطرق التي يعمل بها الأفراد وكيفية تصرفهم في المواقف المختلفة ، يضاف إلى هذا المنحى الذي سلكه الباحث الفرنسي ألان توران والذي وجه جهوده نحو الفاعل والذات الفاعلة بعد أن كان اهتمامه منصبا على الحركات الاجتماعية قبل ثورة الشباب في فرنسا عام 1968.
  الاستخدام الميداني للمنهج البيوغرافي
 يمكن اعتبار السيرة الحياتية عملية مقابلة يروي فيها المبحوث قصة حياته أمام الباحث ، لذلك يصدق عليها ما يصدق على المقابلة على وجه العموم ،  خاصة من حيث اختيار من نريد مقابلتهم ( المبحوثين – المستجوبين..) ، غير أن الباحث في مجال علم الاجتماع والأنثروبولوجيا خاصة  كثيرا ما يلجأ للأفراد الذين لهم خبرة بالميدان وكبار السن ، والذين ينتمون لطبقات وفئات لها اتصال بموضوع الدراسة ، كما  يمكن للباحث أن يتصل بمجموعة من المبحوثين أو " المخبرين " الذين يختارهم بعناية من أجل استخدام سير متعددة تكون دالة على واقع معين ، بما يطرح إشكالا  حول عدد المقابلات التي يجب القيام بها وعدد الأفراد الذين تتم مقابلتهم.
يجد الباحث " دانييل بيرتو" حلا لهذه المشكلة فيما سماه " مفهوم التشبع" ، أي أن التوقف عند عدد معين يمليه مدى كفاية المعطيات التي يجمعها الباحث من عدد معين من المبحوثين ، غير أن التشبع الذي يعنيه برتو لايتوقف عند حدود " الكم" والملاحظة العينية ، ولكنه يتعدى ذلك إلى مستوى كيفي :إلى "تمثل" الباحث بأن المعطيات التي تم جمعها عن ثقافة ما وعن جماعة ما قد تم استيفاؤها بالفعل ، ليكون للتشبع الدور نفسه الذي تؤديه العينة عند استخدام تقنية الاستمارة.
و خلال عملية المقابلة يحاول الباحث بناء علاقة جيدة مع المبحوث بتهيئة الجو المناسب للمقابلة وكسب ثقة المبحوث، ثم بعد ذلك يعمل الباحث على قراءة ما يقال وما لا يقال عند السرد (النظر في تقاسيم الوجه وتقطعات الكلام وطبيعة الابتسامة..) ، كما على الباحث أن يلم ببعض التقنيات الأساسية في المقابلة كأن يعرف متى يطرح الأسئلة ومتى يترك المبحوث يسترسل في الكلام مع خلق بعض الشروط الضرورية التي تزيد من رغبة المبحوث في الحكي ، و للباحث أن يختار الوقت الملائم لتسجيل الملاحظات الضرورية سواء خلال المقابلة أو بعدها بقليل حرصا على عدم نسيانها ، وعند تحليل المعلومات التي يحصل عليها الباحث من راوي السيرة يمكن الرجوع لمضمون السيرة باستقصاء وفحص العناصر المختلفة التي تشكلها مثل التنشئة الاجتماعية للراوي ، تصرفاته ، مواقفه ، التغيرات التي تطرأ عليه ، علاقاته مع الأقارب ...الخ.
و لعل من  الصعوبات التي تلاقي الباحثين خلال استخدام المنهج البيوغرافي صعوبة الانسجام الذاتي للسيرة ، أي أن ما يبدو من انسجام  قد يكون مبتدعا من قبل الباحث أو المبحوث أو منهما معا ، لذلك كان على الباحث أن يضع نفسه دائما في ميزان النقد الذاتي حرصا على الموضوعية التي يتطلبها العلم ، أما المبحوث فلا بد أن يخضع بدوره للنقد والتمحيص ، ولتجاوز الصعوبات التي تعترض الباحثين عند تطبيق منهج السيرة يمكن استخدام بعض التقنيات العملية منها على سبيل المثال إعادة المقابلة مع صاحب السيرة نفسه مع فارق معين في الزمن بين المقابلة الأولى والثانية من أجل تسجيل الفروق في طبيعة المعلومات المقدمة من قبل صاحب السيرة ( الراوي) أو مقابلة أشخاص آخرين قريبين منه ، والاستعانة بالوثائق الشخصية لصاحب السيرة ، إضافة إلى حرص الباحث على التمييز عند الحكي بين ماعاشه الراوي فعلا وبين ماهو مجرد تمنيات وتصورات...الخ.

ملاحظة / هذا المقال هو تلخيص لمقالة علمية غير منشورة تستند إلى مراجع .

منشور في موقع الحوار المتمدن عدد 6592 يوم 13/ 06/ 2020.



الجمعة، 5 يونيو 2020

أستاذ الجامعة وإشاعة روح النقد لدى الطالب


سفيان ميمون



ثمة رأي سائد لدى بعض طلبة  الجامعة  حول تقاعس الأستاذ في إشاعة روح النقد لدى الطالب باعتبار ذلك أحد الآليات المهمة في بناء عقل الطالب وإكسابه تكوينا سليما ، و قد يبدو ذلك فعلا في مختلف أشكال التعصب و عدم تقبل الرأي الآخر خلال المناقشات المختلفة أثناء حصص الدروس و خارجها، فنظرة الأستاذ إلى ذاته كثيرا ما تصنع طريقة تعامله مع الآخرين في مجال النقاش، حيث ينصب بعض الأساتذة أنفسهم في مرتبة عالية باعتبار الشهادة التي تحصلوا عليها و دونهم الآخرون، لذلك كثيرا ما يجد الطالب نفسه خائفا من مناقشة الأستاذ الذي يغلق أبواب النقاش، بل و يسفه آراء الطالب، بما لا يسمح لهذا الأخير باكتساب الثقة في ذاته، ناهيك عن اكتسابه لفكر نقدي يستطيع من خلاله المجادلة في الموضوعات المختلفة.
و لعله من السهل علينا أن نلاحظ أن بعض الأساتذة ذوو تفكير تقليدي ، وهم يؤكدون من خلال ذلك على قيم الامتثال و الطاعة، فرغم أن بعضهم يؤكدون على وجوب تكوين عقل نقدي على مستوى الخطاب، تجدهم يعارضون ذلك على مستوى الممارسة، و يبدو ذلك من خلال بعض السلوكات مثل تفضيلهم لأن تعاد إليهم بضاعتهم خلال الامتحانات، و عدم قبول الرأي الآخر خلال المناقشات و هلم جرا..، قد يكون تأكيد بعض الأساتذة و دعوتهم إلى بناء تفكير نقدي من خلال خطاباتهم المختلفة محاولة لتأكيد ذاتهم وحشر أنفسهم مع الصفوة ، من خلال مسايرة الخطاب المعاصر الداعي إلى استخدام العقل و الارتكاز في تحليل القضايا المختلفة على أساليب الحوار و النقد، غير أن التواصل مع هؤلاء الأساتذة يكشف عن انكماشهم و عدم جديتهم في فتح أبواب النقد و النقاش، و سبب ذلك هو إما انخراط الأستاذ في منظومة تقليدية كرست لديه منطق "الشيخ و المريد"، أو نتيجة عدم قدرته على المواجهة باعتبار ضعف الزاد المعرفي الذي يملكه، و هشاشة قاعدته النقدية، لذلك و خوفا من التعرية يلجأ إلى الاحتماء بهذه المنظومة التقليدية، على مستوى الممارسة مع مد بعض الخيوط التي تبرزه كأستاذ متفتح على الرأي و الرأي الآخر.
بالإضافة إلى هذا فإن انغلاق الأستاذ يوفر له حسب بعض أنواع التصورات السائدة مكانة اجتماعية لائقة من خلال عمليات إخفاء الجوهر الثقافي و الظهور بمظهر التعالي و النخبوية التي وفرتها له شهادته العليا، فهذه الشهادة هي أداة لتحصيل مكانة اجتماعية مرموقة، و هي بالإضافة إلى ذلك أداة لتحصيل سلطة تكون مطية لهذه المكانة و لمصالح أخرى رمزية أو مادية، فعمل الأستاذ على إيهام الآخريــــن بأنـــه يمتلــك رأسمـــال ثقافـــي دون الإفصــــاح عن جوهـــــره و دون إنـــــزال هذا الرأسمال من عليائه و تعريته للآخرين، يمكن الأستاذ من الظفر بمصالح مختلفة في مختلف الحقول الاجتماعية.
و في هذا السياق يمكن أن تطرح قضية الأستاذ المثقف الذي يفتح أبواب الجدال و النقد حول القضايا المجتمعية و الفكرية المختلفة مقابل الأستاذ الموظف الذي يمارس مهنته كباقي المهن الأخرى و التي ترتكز على عملية تلقين المعارف الجاهزة للطلبة دون فتح للنقاش حول هذه المعارف و مقاربتها بالواقع ، فكثير من الأساتذة لم يعد يعنيهم الحوار النقدي إما بسبب تكوينهم الضعيف، أو بسب وضعهم الاجتماعي و عدم قدرتهم على تحقيق طموحاتهم المادية و غير المادية مما آل بهم إلى الركون إلى تلقين الطالب لمعارف جاهزة مثلما يلقن الطفل الصغير في المدارس الابتدائية، و عدم تقبل الرأي الآخر لأن ذلك يزعجه و يتعبه في آن، و بالإضافة إلى هذا فإن الأستاذ يركن إلى الكسل و العمل بمنطق "خذ البضاعة ثم أعدها" تبعا لوضعية الطالب و استعداده للعمل، فكثيرا ما اشتكى الأساتذة من عدم جاهزية الطالب و استعداده للعمل ، لذلك يجد الأستاذ نفسه مجبرا على تسيير الوضع بمنطق الموظف الذي يلقن الدروس و لا ينتظر نقاشا، بل لا يعنيه أحيانا إن كانت الدروس التي لقنها قد تم استيعابها أم لا، فالطالب أصبح عقبة للدخول في جو نقدي و إثارة النقاش حول القضايا المختلفة، و لا عجب أن نجد طلابا نائمين داخل القسم - نائمين فعلا وليس مجازا - ما يعبر عن عدم اهتمام بالمادة المعرفية المقدمة، فالحضور هو فقط لضمان عدم الإقصاء و مواصلة المسيرة نحو الشهادة كمراد مادي ليس أكثر.
و في مقابل هذا نجد عددا معتبرا من الأساتذة و رغم طبيعة الوضع الاجتماعي و الدراسي، و رغم طبيعة وضعهم الخاص يسعون إلى إثارة روح النقد بين الطلبة حرصا منهم على التفتح العقلي الذي يساعد في تنمية الشخصية العلمية للطالب، فالطالب يحتاج إلى نقاشات وجدالات نقدية مثلما يحتاج إلى كتابات معمقة ذات صبغة نقدية ، فمن خلال ممارستنا الميدانية للتعليم لاحظنا أن كثيرا من الطلبة الذين يحاولون العمل و يداومون على حضور الدروس و المحاضرات يجدون صعوبة في الإجابة على الأسئلة المفتوحة خلال الامتحانات، و قد بدا أن المشكل يكمن في ضعف و غياب الحس النقدي لدى الطالب، إذ أن الطالب لم يتدرب على كيفية مناقشة القضايا المعرفية و الفكرية المطروحة، و بالقدر نفسه فإنه يفتقد للقراءات الفكرية و النقدية المعمقة التي تسمح بتفتح عقله من خلال إكسابه بعض آليات النقد و التحليل، فالطالب يتداول فقط المراجع ذات الكتابات السطحية غير المعمقة التي تمليها عليه حاجته لإعداد بحث بسيط طلبه الأستاذ، لذلك بقي الطالب على هذه الحال ذا تفكير سطحي بسيط فأصابه العجز عن مناقشة القضايا المعرفية و الفكرية بكيفية نقدية معمقة، فإذا كان هذا هو حال الطالب فإن ذلك أيضا سينعكس سلبا على الأستاذ الذي يصاب بخيبة و إحباط عندما لا يجد من يسايره في نقاش هذه القضايا خلال حصص الدروس و المحاضرات، بما يجعله يركن إلى طريقة التلقين التقليدي.

منشور بموقع الحوار المتمدن يوم 5/6/2020 عدد 6584

الأربعاء، 13 مايو 2020

كورونا والإبداع

سفيان ميمون


       خلف وباء كورونا خرابا كبيرا بحصده لأرواح عدد كبير من البشر ، إنها كارثة إنسانية كل المقاييس ، ورغم كونها كذلك فإن هذا الوباء سلمنا لكثير من الأمور الإيجابية خاصة ما تعلق منها بصور التضامن المختلفة على المستوى الطبي أو الاقتصادي ، فقد هبت دول لمساعدة دول أخرى  ووضعت بعض الدول خبرتها في يد دول أخرى ، رغم بعض صور الجشع والأنانية التي صدرت عن بعض الدول الغربية بقرصنتها لشحنات للمواد الطبية في عرض البحر، ذلك ما نجد له تفسيرا في الضغط الكبير الذي أحاط بهذه الدول جراء الوباء المتسارع كالنار في الهشيم ، بما خلق نوعا من الأنانية لدى هذه الدول جعلها تبحث عن الخلاص بأية طريقة ، ناهيك عن الأنانية المترسبة أساسا لدى الدول الغربية ومجتمعاتها كنتيجة للنظام العالمي السائد ، نظام العولمة الذي جسد الشيئية  والمصلحة الذاتية لدى الفرد الغربي ودولته بشكل يدعو للقلق على إنسانية الإنسان ، ولعل هذا الوباء ذاته هو تجسيد صريح لتلك المادية القاتلة التي أجهزت على الإنسان وجعلت الأفراد في يد تجار الدواء ومهندسي الإستراتيجيات الاقتصادية للدول المتقدمة .
لقد كانت صور التضامن أيضا واضحة في المجتمع الجزائري كغيره من المجتمعات الأخرى ، وقد لاحظنا ذلك في تلك المساعدات الطبية والغذائية التي حشدت في قوافل نحو مدينة البليدة التي وضعت تحت الحجر الكلي ، وفي المساكن والفنادق التي تم إخلاؤها لتوضع تحت تصرف الطواقم الطبية التي لها اتصال بمرضى كورونا لتجنب نقل العدوى لأهاليهم،  وفي إعداد وجبات ساخنة لهؤلاء وهلم جرا..
غير أن الذي يدعوا للتأمل أكثر هو تلك الإبداعات والابتكارات التي أنجزها شباب متعلم وتكفلت بها كفاءات لم نكن نسمع لها صوتا من ذي قبل ، كفاءات من حقول شتى تضافرت جهودها فأثمرت إبداعا كان محل كفر من أفراد المجتمع ومن مؤسسات الدولة كليهما، وإلا كيف نفسر التهميش الذي يلاقيه الشباب المتعلم يوميا وفقدان الثقة في النفس والضجر والتذمر الذي أصبح يحيط بهؤلاء الشباب ، صور عديدة للاغتراب أصبح عليها هذا الشباب ، غير أن أزمة كورونا ساهمت في الكشف عن  قدرا ت هؤلاء الشباب  وبيان بعض معالم أزمة الإبداع والابتكار ، لقد بينت أزمة كورونا بوضوح أن اغتراب الشباب المتعلم عن حقه في الإبداع إنما هو راجع في الأصل إلى ما يحيط بهم من ظروف ساهمت بشكل أو بآخر في تشكيل شخصيات بائسة لا يمثل الإبداع  لديها مقصدا مقدسا ، ببساطة لأن روح الإبداع خنقت فيه ، يفتقد شبابنا للتشجيع ولتثمين ما يمكن أن يقوموا به من جهد ولو كان ذلك بشكل معنوي يحس من خلاله الشاب المبدع بذاته المبدعة ، يحس بمكانته وبتميزه الذي دأب على بنائه منذ الصغر، هذا التميز الذي لم تكتمل معالمه للأسف لدى كثير من الشباب الذي أصبح يرى ذاته متميزا فعلا ولكن من خلال ما طاله من تهميش وإقصاء .
بينت أزمة كورونا أن الشباب  المتعلم الذي كان في الهامش أصبح لاعبا محوريا ، وأصبحنا نرى كفاءات لم نكن نراها من قبل ، في مجال الطب خاصة حيث الخطب هو خطب صحي بالدرجة الأولى من خلال أجهزة للتنفس الصناعي وأجهزة للوقاية وهلم جرا ، وفي مجالات العلوم التقنية المختلفة وبخاصة في مجال الإعلام الآلي من خلال بعض الأجهزة التي تسهل تداول المعلومات الخاصة بالوباء ، بل وفي مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية من خلال بعض التحليلات المكتوبة والمسموعة والمصورة التي تحاول رصد الآثار النفسية والاجتماعية للمرض .
رغم الضرر الجسيم الذي خلفه وباء كورونا إلا أنه جاء حاملا رسالة مفتوحة للمجتمع والدولة معا ، رسالة كتبت حروفها بخط غليظ أن يا أيها المسؤولون ويا أيها الناس ثقوا في شبابكم المتعلم ، ثقوا في كفاءاتكم ، وامنحوهم الثقة أيضا ، فهم ومن غير ثقة كمن يملك أداة الرماية غير أنه يفتقد للتدريب الذي يسمح له بالرمي ، هذا الذي يحتاجه هؤلاء الشباب المتعلمون بعد أن تنجلي الجائحة ، هذه الجائحة التي كشفت عن جائحة أكبر وأخطر على المستوى الاجتماعي ، فلعل الجائحة الجسدية إيذان بانقضاء الجائحة الاجتماعية التي رمت بالكفاءات بعيدا وقربت من لا يعدو إبداعه مجرد صراخ وتمايل ، من خلال إنزال هذه الكفاءات منزلتها الحقة ودعمها بوسائل وإمكانيات العمل وتشجيعها لكي تبدع وتكون في الوقت نفسه قدوة لمبدعين آخرين قادمين .
نسوق هذا الكلام لأن الواقع يدلنا على ذهنيات ترسبت في المجتمع ، بل وتكلست فأصبح من الصعب زحزحتها ، فليس من الصعب أن تعثر على معلم في الصف مثلا يوصي طلبته بأن لا يكونوا مثله معلمين أو أساتذة ، أو أن تتلمس في خطاب رجل مثقف -حتى لا نتحدث عن عامة الناس- إعلاءه لصاحب صنعة أو رجل أعمال ، وبالمقابل لا ينال الذي يشتغل في مجال العلم الشيء الكثير من تقدريه ، في واقعنا أيضا ينال الفنان ولاعب الكرة  الشأن الأكبر في تقدير أفراد المجتمع لكن المتعلم الذي يمكن له أن يبتكر لا شأن له ، والابتكار طبعا ليس ابتكارا ماديا فحسب ، لا يمكن الحديث فقط عن الابتكار الملموس ، بل أيضا عن ابتكار وإنشاء المعاني والأفكار ، على أن الفصل بين المادي والفكري غير وارد بالمرة على اعتبار أن أي اختراع مادي مسبوق دون شك بفكرة ، هذا أمر بديهي لكن ليس هذا هو القصد ، بل القصد أن الابتكار أيضا يكون في المجالات التي تتخذ من المعاني والأفكار عملة التداول الأساسية ، مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والدراسات الثقافية والفلسفية والأدبية وغير ذلك .
الاهتمام بالطاقات البشرية على المستويين اليدوي والفكري وبخاصة على المستوى الفكري هو رهان أساسي في سبيل التنمية دلنا عليه وباء كورونا ، وأرشدتنا إليه الحاجة للدفاع عن أجسادنا التي يهددها الفيروس ، هذه الطاقات التي خرج الكثير منها من الجحر الذي ضمها لسنين ، آن لنا اليوم أن نثق في هذه الطاقات وننزلها المنزلة التي تستحقها ، آن لنا أن نكف عن احتقار ذاتنا وتهميش بعضنا بعضا وأن نأخذ العبرة من هؤلاء المبدعين الذين خرجوا من تحت الأرض حيث حجر على عقولهم وهممهم لعقود طويلة بدوافع لا يمكن حصرها في بضعة سطور، فقد تداخل فيها السياسي بالاجتماعي وتحالف فيها الاقتصادي مع النفسي ، لقد آن لنا اليوم أن نشخص ذاتنا الإنسانية في القيم التي نتداولها وفي الأفكار التي نطرحها وفي التصورات التي نرى من خلالها ذاتنا والآخرين ..، لنمضي بعد ذلك في سبيل التغيير ، هذا التغيير الذي لا يجب أن تكون بدايته إلا من الذات فقد اتخذ هذا قاعدة في فلسفة التغيير لدى كثير من المفكرين ، ذلك ما نجده عند مالك بن نبي الذي يجعل من الأية الكريمة " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " منطلقا هاما للتغيير ، والذي يجعل من الإنسان بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان متصلة بالأفكار والقيم والمعايير والسلوك وغير ذلك  مناط كل تغيير ، آن لنا أيضا أن نخرج من دائرة الاتهام المتبادل بالتخلف وضعف المستوى والتهكم الذي يكيله بعضنا لبعض والذي أصاب ذاتنا بالكبر وتسفيه كل فكرة أو رأي ، بل علينا على أن نرجع إلى ذاتنا فنحدد مستوانا بكيفية موضوعية ونرصد مالنا من إمكانات بشرية ومادية لنرسم بعدها الخطط اللازمة للإقلاع ، فكل نهضة قائمة لا محالة من الذات لا من غيرها ، وهنا نستحضر رأي الجابري في مسألة النهضة حيث يرى أنه يستوجب علينا إذا أردنا أن ننهض الرجوع إلى ذاتنا وتحديد مكاننا من التقدم والتخلف لننطلق منه في النهضة والتطور ، أي أن العمل يكون على مستوى الذات لا خارجها ، هذا يدعونا للعودة إلى الطاقات المختلفة التي أثبتت جدارتها خلال أزمة كورونا وإعادة تفعليها بالاهتمام والثقة والتشجيع.....

نشر في الحوار المتمدن يوم 13/05/2020 عدد 6563 


السبت، 29 فبراير 2020

السوسيولوجي والطقس الديني


سفيان ميمون

من حق رجل الدين أن يخوض في الطقس الديني فيعمل على توصيفه وبيان ما هو مقبول وما هو مرفوض وفقا للمبادئ الدينية لدين معين ، ومن حق رجل الدين أيضا أن يعمل على توجيه السلوكات الدينية  فذلك عمله، حيث يعمل رجل الدين في مجال الدعوة فيكون سبيله أن يدعو الناس لفعل على حساب فعل آخر ويوجههم لسلوك ويحذر هم من سلوك آخر ، غير أن  مجال اشتغال السوسيولوجي يمنعه من  تقديم الأحكام الجاهزة وتقمص دور رجل الدين من خلال إبداء الرأي حول الطقس الديني بتحريمه والقول بمخالفته للعقيدة الدينية، ببساطة لأن السوسيولوجي له منطق آخر يختلف عن منطق رجل الدين ، السوسيولوجي هو الذي يشتغل على الطقس الديني باعتباره فعلا اجتماعيا له أسبابه وله سياقاته الاجتماعية والثقافية ، وله خلفياته الأيديولوجية والسياسية ، على السوسيولوجي أن يرجع إليها محاولا فهمها بالرجوع إلى الأدوات المنهجية والأطر النظرية التي طورت في حقل علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية عامة .
لا يمكن أن يطلب من السوسيولوجي بأن يتنصل من عقيدته الدينية أو أن يطلب منه ألا يدافع عما يعتقد وألا يعبر عن عاطفته الدينية ، كلا فهذا حقه كمواطن ، وهو كذلك – أي كمواطن – له كامل الحرية في التعبير عن عاطفته الدينية وعن آراءه ومواقفه ، ولكن الأمر مختلف تماما باعتباره مختصا في مجال علم الاجتماع ، لأنه وهو على هذا الوصف مقيد بما يقرره هذا التخصص من مبادئ علمية ولعل أهم هذه المبادئ أن يحاول تحليل الظاهرة دون أن تحتويه الظاهرة محل الدراسة، أي أن يحاول التحرر من قبضة الظاهرة قدر المستطاع ذلك الذي وسمه دوركايم ب" شيئية الظاهرة الاجتماعية " ودعا خلاله إلى إبعاد الأحكام المسبقة خلال عملية التحليل ، وذلك أيضا مادعت إليه المدرسة النقدية بزعامة ماكس فيبر ، فالأحكام المسبقة غير مستساغة في مجال علم الاجتماع وإن كانت المدرسة النقدية قد أعادت الاعتبار إلى الذات غير أن هذه الذات تقدم نفسها فقط كأساس لفهم الفعل والسلوك الإنساني من خلال عوامل الخبرة والقيم والمعارف التي تترسخ لدى السوسيولوجي .
يتناسى بعض المشتغلين في حقل السوسيولوجيا دورهم في نقد الفعل الديني باعتباره فعلا اجتماعيا وينساقون بدافع العاطفة الدينية إلى إبداء رأيهم في بعض الطقوس الدينية من حيث كونها فعلا شركيا يتنافى وعقيدة التوحيد مع الدعوة لمحاربة الظاهرة ، بما يقربهم من خطباء المساجد الذين ينتجون الخطاب ذاته بما يلغي الحواجز التي تفصل بين الداعية والمشتغل في حقل علم الاجتماع ، ولعل أوضح مثال على هذا تناغم خطاب رجال الدين وخطاب بعض السوسيولوجيين حول ظاهرة " أنزار".
" أنزار" في التراث الأمازيغي هو إله المطر ، وفي الحالات التي يقل فيها المطر تلجأ النسوة في القرى الأمازيغية إلى الإستغاثة ب" أنزار " طالبين الغيث من خلال رفع قصعة من السميد وبها ملعقة كبيرة  في ساحات القرى والمداشر ، لا شك أن هذا الطقس من الناحية الدينية هو طقس شركي لأنه يخالف عقيدة التوحيد ، وقد اختفى هذا الطقس أو قلت ممارسته كنتيجة للوعي الثقافي وللقناعة الدينية التي تستند إلى ما يقره الدين الإسلامي من أن الاستغاثة لا تكون إلا من الله وأن طلب الغيث يمكن أن يكون من خلال أداء صلاة الاستسقاء لدى المسلمين.
إن السوسيولوجي وبدل أن يغرق في تشنيع الفعل وتحريمه باعتباره مخالفا للعقيدة الدينية عليه أن يرجع لما يمليه عليه دوره باعتباره باحثا في حقل السوسيولوجيا ، عليه أن يطرح تساؤلات حول عودة هذا الطقس الديني ، وحول الفاعلين  الظاهرين والمستترين  ، المباشرين وغير المباشرين الذين يعملون على إنتاج وتوجيه هذا الفعل ، عليه أن يطرح تساؤلات حول رمزية الفعل وحول وعي وقناعات الفاعلين وخلفياتهم الاجتماعية والثقافية ومستواهم الدراسي ، تساؤلات حول مصدر الفعل وهل هو عفوي أم موجه ، وعن الغرض من عودة هذا الطقس في مثل هذا الوقت بالذات .
هكذا وبهذه الطريقة ، ومن خلال سعي السوسيولوجي إلى الإجابة على مثل هذه الأسئلة يكون متميزا عن الداعية وعن رجل الدين  ويكون أقرب وأوفى للحقل الذي ينتمي إليه ، غير أن هذا لا يعني أن رجل الدين أكثر خدمة للدين من السوسيولوجي ، أي أن السوسيولوجي يبتعد عن الدين بقدر ممارسته للتحليل السوسيولوجي بل إن السوسيولوجي لا يقل شأنا في خدمة الدين من رجل الدين نفسه ، ولكنه يختلف عنه فقط في طريقة خدمته للدين .
يكون السوسيولوجي خادما للدين شأنه شأن رجل الدين من خلال محاولته الإجابة على التساؤلات التي يطرحها الفعل في الواقع ، بل إن السوسيولوجي يتجاوز رجل الدين في بعض المواضع خاصة عند الكشف عن الواقع الفعلي للممارسات الإنسانية والولوج إلى عمق العلاقات بين الأفراد والخلفيات الفكرية والعقدية التي تحكم أفعالهم وممارساتهم .

نشر في الحوار المتمدن يوم 1/3/2020 عدد 6503
الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=667183

الأحد، 9 فبراير 2020

التعدد الثقافي والديمقراطية

سفيان ميمون

يتحدث الكثير عن التعدد الثقافي باعتباره سبيلا نحو الديمقراطية وتحقيق التقارب بين الشعوب ذلك الذي صبت فيه مداخلة الدكتور مصطفى كمال شان رئيس قسم علم الاجتماع بجامعة سكاريا التركية الذي حل ضيفا على جامعة جيجل الجزائرية ، نعم يمكن للتعدد الثقافي أن يحقق ذلك لكن ذلك مشروط بالعديد من الاعتبارات المتصلة بطبيعة الاتصال بين الثقافات المختلفة ، فلا يمكن الحديث عن التعدد الثقافي كمدخل للديمقراطية طالما كان محكوما بالنزعة العنصرية والاستعلائية بين " الجماعات الثقافية" ، نقول الجماعات الثقافية لأن الثقافة هي مجرد أداة في يد  الجماعات التي تستخدمها في التسلط والهيمنة ، ولطالما كرر علماء الاجتماع أنه لا ثقافة مسيطرة في ذاتها ولكن  الثقافة المسيطرة هي ثقافة الجماعات المسيطرة  ، ومن الأمثلة على ذلك مسألة المهاجرين  الجزائريين في فرنسا الذين ينتظمون في ثقافة خاصة تختلف عن الثقافة الفرنسية التي تشكلت في إطار التاريخ والجغرافيا الفرنسية ، ذلك ما يشكل تعددا ثقافيا حقيقيا ، غير أن هذا التعدد لا يمكن له أن يكون خادما لديمقراطية حقيقية ولتقارب فعلي بفعل طبيعة العلاقات التي تحكم هذه الثقافات المتباينة في مرجعياتها وممارساتها أو بالأحرى بين الجماعات التي تستبطن هذه الثقافات وتستعملها ، ما يوضح هذا أكثر مسألة اندماج الجزائريين بخلفيتهم الثقافية الدينية والقومية والتاريخية والتي تشهد صراعا واضحا من حيث سعي المجتمع الفرنسي لإدماج هؤلاء المهاجرين من الناحية الثقافية لكن هذا الإدماج هو إدماج على المقاس ، هذا الذي يهدم مسألة الاعتراف بالتعدد وقبول الآخرين على هيئتهم الأولى ، فالإدماج  من الناحية الثقافية يعني فيما يعنيه إعادة إنتاج الذات لدى الآخر وهو نفي واضح له .
يشكل التعدد من خلال نزعة الاحتواء والهيمنة نفيا لهذا التعدد ذاته بما يشكل نفيا للديمقراطية وللتقارب الثقافي بين الجماعات ، ذلك ما نلاحظه أيضا من خلال التلاعب ببعض المفاهيم " الدالة على الديمقراطية " مثل مفهوم العلمانية الذي طور بالشكل الذي يمكن له أن يبرر الإقصاء الثقافي والاجتماعي أحيانا لدى الجماعات القوية والتي تنتج خطاب " التعدد الثقافي في صالح الديمقراطية " دونما إيمان وتجسيد لهذا الخطاب.
تشير العلمانية بالمعنى السياسي إلى فصل الدين عن الدولة  أي ضرورة تسيير الدين لشأنه دون تدخل الدولة وتسيير الدولة لشأنها دون تدخل الدين هذا الذي يحيلنا على أحد الأسس التي قامت عليها العلمانية خلال العصور الوسطى في أوروبا إلى المبدأ المسيحي بالضبط الذي يقول " أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " ، غير أن  للواقع الثقافي والسياسي دوره في تحوير مفهوم العلمانية وإنتاج معان جديدة تتماشى ومصلحة الجماعات السياسية المسيطرة ، فخلال الجدال الذي دار حول تدخل الدولة الفرنسية لمنع الحجاب في المدارس واتهام هذه الدولة بنقضها لأحد أهم المبادئ التي تقوم عليها وهو مفهوم العلمانية ، انبرى كثير من "المثقفين العضويين " لتقديم عملية منع الحجاب عنوانا عن العلمانية وليس نفيا لها ذلك أن الدولة الفرنسية جسدت المفهوم الحقيقي للعلمانية من خلال قيامها بفصل الدين ممثلا في هذه الصور والرموز الدينية ومنها الحجاب عن الدولة بحيث لا يجب رؤية هذه الصور والرموز داخل مؤسسات الدولة .
وبالطبع لا يمكن النظر " لوظيفة الدولة الفرنسية " بفصل الدين عن الدولة إلا تدخلا للدولة في الدين والعمل على إقصائه وتحييده ، ما يعني بالضرورة إقصاء وتحييدا للثقافات الأخرى  التي تتشكل حول الدين داخل المجتمع الفرنسي ، وعلى هذا الأساس لا يمكن الحديث عن تعدد ثقافي مفض إلى الديمقراطية وهو مؤسس على علاقات صراعية بين الجماعات الثقافية المختلفة.
يفضي بنا هذا الكلام إلى أن التعدد الثقافي الذي يفتح الباب أمام ديمقراطية حقيقية هو التعدد القائم على الاحترام المتبادل بين الثقافات والمؤسس على علاقات ندية يجسد مبدأ التثاقف الحر القائم على الأخذ والعطاء من دون وصاية أو محاولة هيمنة جماعة على أخرى ، بمعنى أننا بحاجة إلى تعدد ثقافي حقيقي غير مزيف ولا مصنوع مثلما نراه في عالمنا اليوم .  
يبدو أننا اليوم بصدد تعدد ثقافي يتم صناعته من قبل الجماعات القوية ليس على مستوى الخطاب فحسب ولكن أيضا على مستوى الممارسة ، تعدد ثقافي غير حقيقي ، مزيف تماما مثلما يصنع المجتمع المدني بمنظماته وهيئاته في المجتمعات المتخلفة لتكون هذه المنظمات والهيئات التي تعبر عن مجتمع مدني مزيف وبالتالي عن ديمقراطية مزيفة بديلا عن المجتمع المدني الحقيقي القائم على معارضة ومراقبة السلطة ، ليصبح المجتمع المدني محل مراقبة من قبل السلطة بدل أن يكون مراقبا لها .  

نشر بموقع الحوار المتمدن يوم 07/02/2020 عدد 6485