الخميس، 23 سبتمبر 2010

رحيل المفكرين ....رحيل الفكر والثقافة

سفيان ميمون

إنها سنة الرحيل ، الوصف الوجيز والشامل لسنة 2010 ، هذه السنة التي ذهبت بخيرة مفكرينا ، وهل ثمة أعظم من أسماء كالجابري ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وفؤاد زكريا وغيرهم ممن انبروا لدراسة ونقد الفكر والثقافة وتشابكهما وعلاقتهما بالدين والعلمانية والاجتهاد والتراث والتجديد وغيرها من المصطلحات والمفاهيم التي أخذت مفاهيم جديدة ، أو ينتظر منها أن تأخذ مفاهيم جديدة في ظروف جديدة على البشرية ، فالبشرية تتجدد في ظروف عيشها فلا بد لها إذا من تجديد علمي ومنهجي يوازي ذلك التجدد.

بهذا المنطق واجه هؤلاء المفكرون هذه الظروف فراح الجابري ينقد العقل العربي في تكوينه وبنيته وفي جانبه السياسي والأخلاقي، كما راح ينبش في مشكلات الثقافة العربية وكيف أنها تنبع من الداخل بدءا ، وهو ما يترتب عليه أن نشرع في إعادة ترتيب البيت من هذا الداخل نفسه، من خلال إعادة تأسيس الوعي بالذات والوعي بالآخر ، فلا بد حسب الجابري أن نشرع في البناء والترميم من داخل الثقافة العربية نفسها لا أن نستورد من الخارج بذورا قد لا توافق طبيعة التربة عندنا ، كما ذهب أركون في طريق التجديد من خلال محاولة الاستفادة من المناهج الحديثة في العلوم الإنسانية واستخدامها لتحليل ونقد الفكر والعقل والنص الديني ، ورغم أن المساس بالمقدس وإخضاعه لأدوات ومناهج بشرية قد جلب له الكثير من النقد العلمي وغير العلمي على السواء إلا أنه واصل في طريق التجديد، فذاك هو هدفه ومبتغاه ، هذا الهدف الذي جعله يتقلب بين مطرقة الشرق المحافظ الذي لا يقبل المساس بنصوصه المقدسة وسندان الغرب الذي رأى فيه حاملا لواء الدين الإسلامي في صورته الحديثة ، إنه الكابوس الذي يزيد من حدة الإسلاموفوبيا في أوروبا والغرب عامة لأنه يزيد من قوة الإسلام حينما يجعله حليفا للعلوم الإنسانية ومناهجها ، إنها دعوة إلى التفكير في الامفكر فيه حسب أركون ، دعوة إلى التجديد الدائم والمستمر في الفكر والثقافة الإسلامية في ذاتها وفي علاقتها بالثقافات الأخرى ،من خلال اكتساح مجالات أخرى جديدة لم يصلها ضوء السابقين من الذين بحثوا في المجال نفسه.

هذا النقد الديني كان أيضا الطريق الذي سلكه نصر حامد أبو زيد من خلال محاولاته الجادة لبيان الأغلاط التي تطال فهم الناس للدين وضرورة الفصل بين الدين في ذاته وفهم واجتهاد العلماء ، هؤلاء الذين أحيطوا بهالة من القداسة وأصبحت أقوالهم وآراؤهم تعادل نصوص القرآن والسنة ،بل وتتعداها أحيانا ، لكن المشكلة الأكبر لدى أبي زيد هي ذلك الاحتكار الذي يمارسه هؤلاء العلماء في فهم وتفسير النصوص من خلال تنصيبهم من بعض فئات المجتمع في مكانة علية ودونهم كل مجتهد مفسر من أجل التنميط السياسي والأيديولوجي للمجتمع والثقافة .

لقد اعترف هؤلاء المفكرون جميعا باجتهادات السابقين في مجال الفكر بأصنافه المختلفة كما في مجال الدين بمختلف ميادينه ، فلولاهم ماكانوا ليؤسسوا معارفهم ونظرياتهم ، ذلك أن المعرفة تراكمية ، فالمعارف لا تبنى إلا على معارف سابقة ، لكن هذه المعارف لا بد لها حسب المناهج الحديثة لكي تقترب من الحقيقة العلمية أن تكون على قطيعة مع المعارف السابقة ، وتأسيس معرفة جديدة تبنى على العلم وحده، إذا هناك اتصال وانفصال ، تناقض في الشكل والمظهر وانسجام وتناغم في الروح والجوهر .

لقد نظروا إلى السابقين نظرة تبجيل وتقدير ، خاصة وقد أخذوا عنهم ونهلوا من أفكارهم ومناهجهم ولكنهم قدموا لنا رسائل قوية من خلال مختلف النصوص التي تضمنتها كتبهم ومقالاتهم أن العلم ليس حكرا على زمن من الأزمنة أو مكان أو رجل من الرجال ، ولكن لابد من التجديد الدائم والمستمر للفكر والمعرفة والثقافة . هكذا علمنا مفكرونا الذين رحلوا فهل استوعبنا الدرس ؟.

للأسف الشديد لقد انساق مثقفونا وراء مصالحهم الضيقة متناسين رسالتهم في وعي واستيعاب رسالة المجتمع وإعادة نشرها بما يحقق نموه وازدهاره . لقد أصبح القذف والتجريح ديدنهم فصاروا أدوات فاعلة في أيدي التكتلات السياسية والثقافية والاقتصادية ، ألم نشهد مهزلة مصر والجزائر وكيف انبرى كثير من مثقفينا في صورة إعلاميين وكتاب لتأجيج الفتنة وزيادة الحقد بين الجماهير التي أصبحت محكومة بعواطف وهمية ، واليوم نسمع أن معرض الجزائر الدولي للكتاب سوف يقام بدون دور نشر مصرية . ياللمهزلة ، فطالما سعى مفكرونا لأن يجعلوا السيادة والريادة للفكر والثقافة ، لكننا نرى العكس ، نرى الثقافة وهي منبطحة أمام سلطان الكرة ، كرة عملت على لف الثقافة الأصيلة الفاعلة والفكر الصادق الخلاق بحزام المصلحة والأيديولوجيا ، إنه عصر المصلحة والمنفعة ، ألم يقرر فوكوياما أن التاريخ سيتوقف عند نظام تؤسسه المنفعة الفردية ويتخذ من الرأسمال أساسا لقيامه رغم أن أنواع الرساميل تعددت وأصبح ثمة رأسمال ثقافي واجتماعي وبشري.....

لقد صارت الثقافة والفكر الرأسمال الأول في أيدي الصفوات المختلفة من أجل السيطرة والهيمنة ، ولا يهم بعد ذلك طبيعة الوعي الذي يصبح متداولا في المجتمع ونوعية القيم التي تسود ، لقد انصرفنا عن نقد ذواتنا في العيش والتفكير واتجهنا إلى مسائل لا تغني ولا تسمن من جوع ، بل على العكس من ذلك تزيد في تعميق الجهل وزرع الضغائن وشغل الناس ليس عن التفكير السوي في هذه المسائل فحسب، بل وشغلهم عن تدبير شؤونهم في مجال الأكل والشرب .

لقد تحدث أركون عن العقل المستقيل الذي يحيد نفسه عن مناقشة المسائل ويتركها للأحكام المعلبة الجاهزة ،وهانحن نعيش استقالة شبه تامة لمثقفينا من كتاب وأساتذة وإعلاميين ومربين من مناقشة القضايا الثقافية التي تحاصرنا من كل جانب ، لقد قدم مثقفونا استقالة جماعية عن حمل الهم الثقافي والتربوي فتضاءل دور الأستاذ والمعلم والمربي وبقي الدور للكاتب والإعلامي في مهمة مزدوجة : مهمة النقد الثقافي والفكري والتربوي البناء والأصيل ، وهي مهمة قدم فيها الكثير من الإعلاميين والكتاب استقالتهم منها ، ومهمة أخرى بقوا على عهد بها وهي مهمة التضليل الثقافي والفكري وما تحمله من عواقب اجتماعية وتربوية ، وأريد هنا أن أضرب مثالا حيا عشته ، فبينما كنت أتجول في المدينة التي أسكن في عمق الجزائر إذا بأطفال صغار لم يتجاوزوا سنوات الدراسة الأولى يحملون صورا لنجوم المنتخب الجزائري وهم يرفعون في أيديهم مسدسات ، اقتربت من الأطفال الصغار وسألتهم عن دلالة الصورة ، فقالوا :إنهم ذاهبون لمحاربة المصريين ، فادهشت لقولهم وقلت لهم ، ولم نحارب المصريين وهم مثلنا عرب مسلمون؟ ، قال الأطفال بكل عفوية وبراءة :إن نصف المصريين يهود .

صم أذني هذا القول وغلف قلبي بغشاوة لم أعهدها ، ورغم أنني حاولت في تلك اللحظة أن أتقمص دور المعلم والمربي رغم تواجدنا في طريق عامة مزدحمة من أجل أن أشرح لهم أن المصري أخو الجزائري مسلم مثله ، عربي مثله ، وأن السياسة والمنفعة التي يسعى إليها بعض الساعين ولو بإحداث الفرقة والشقاق بين المسلمين هي السبب في هذا الفهم وهذا الشعور الذي أصبح يلازمهم ، غير أنني أحسست بالعجز وأنا أستحضر تلك الترسانة الإعلامية التي جيشت من أجل تزييف الشعور العام والدوس على قدسية الثقافة النبيلة التي يجب أن تحكم علاقة الأخ بأخيه .

هل نقول إنها استقالة المعلم والأستاذ والمربي؟ أم أننا نحاول التبرير ونقول بأن الإعلام أقوى وقعا وأشد أثرا من أستاذ لم يعد قدوة للطلاب ، بل صار قدوتهم مطرب من الشرق وراقص من الغرب ، ونزيد قولا بأن ثقافة العولمة في صورة ثقافة الصوت والصورة فرضت نفسها وأصبحت المربي البديل لأبنائنا ، لا يهم كل هذا لو أننا طوعنا الإعلام والتكنولوجيا الحديثة ، وأسكنا في كل فضائية أساتذة ومربين يتناوبون على ساعات البث ، لينشروا الكلمة الهادفة ويبثوا الوعي الصادق.

لكننا للأسف نسير في الاتجاه المعاكس ، ونعمل دوما على تبرير سيرنا في هذا الاتجاه ، فعذرا أساتذتنا ، عذرا لعل الله يجعل من بعد عسر يسرا .

نشر المقال بصحيفة القدس العربي يوم 22/ 09 / 2010 عدد 6621 بعنوان : " عام رحيل المفكرين وحقن الجماهير ( نشر إلكترونيا يوم 21 / 09 / 2010 ) والرابط هو : http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=data\2010\09\09-21\21qpt85.htm

الخميس، 9 سبتمبر 2010

عن الحركة الطلابية

سفيان ميمون
تعد الحركة الطلابية إحدى الظواهر البارزة في عصرنا الحالي فالطلاب مجتمعين متكتلين أصبح لهم وزن و دور كبير حيال التوجهات السياسية و القرارات التي تتخذها الدولة ناهيك عن توجهات الجامعة التي ينتمون إليها في مجال العملية التعليمية بمضامينها المختلفة و من هذا المنطلق ألحقت بالحركة الطلابية سمتان اثنتان هما :"[i]"
أ / دعواها بأنها حركة سياسية مستقلة و هذا ما يبدو واضحا في لغتها و أفكارها و علاقتها الوثيقة بمختلف قطاعات الحركة الراديكالية .
ب / اهتمامها ببناء وديناميات الجامعة ذاتها .
و وصفها بالحركة السياسية المستقلة يحيل إلى وجود وعي طلابي متنامي مواز للتغيرات التي يشهدها المجتمع و ديناميات الحياة في مختلف المجالات ، هذا الوعي الطلابي الملازم لظروف اجتماعية معينة يشبه إلى حد كبير الوعي الطبقي الملازم للظروف التي كان يعيشها العمال الصناعيون في أعقاب الثورة الصناعية في أوروبا، و هذه الفكرة عبر عنها ألان توران " TOURAINE " حينما اعتبر أن هناك " تماثلا واضحا بين الطلاب و العمال ، ففي الجامعات الفرنسية الكبيرة الحجم – و في جامعة كجامعة نانتيرNANTERRE - - حيث تواجه عزلة اجتماعية أصبح الطلاب يشكلون جماعة متميزة تشبه في بعض الوجوه العمال الصناعيين في المصانع الرأسمالية المبكرة ، فضلا عن أن ثمة تشابها بين المعتقدات التي يؤمن بها الطلبة الآن و التصورات اليوتوبية التي آمن بها الاشتراكيون الأوائل "
[ii] .
النزعة الثورية إذا هي القاسم المشترك بين حركة البروليتاريا الاشتراكية و بين حركة الطلاب اليوم الذين يبنون و يطورون ثقافة خاصة بهم تتسم برفض الأوضاع القائمة و الموروثة و التطلع نحو الجديد ، غير أن الفرق بين الحركتين ( حركة البروليتاريا و حركة الطلاب ) هي أن الأولى تعتبر نفسها طبقة مستغلة من قبل الرأسماليين لذلك تطالب بالثورة على الأوضاع القائمة أما الثانية فهي " تعبير عن حركة نقذية فكرية أخلاقية للمجتمع "
[iii] و العملية النقذية و الفكرية التي تشكل روح الحركة الطلابية تستند إلى ثقافة خاصة تدعى ثقافة الشباب التي تصنف كثقافة فرعية تختلف عن الثقافات الأخرى كثقافة الآباء مثلا، فمفهوم ثقافة الشباب تستخدمه الحركة الطلابية " كنقطة انطلاق مناسبة لتحليل القيم التي تكمن في خلق الحركات الاجتماعية للشباب و الأهداف التي تسعى إليها ، فالشباب يطورون لهم ثقافة خاصة بهم تشير إلى تلك الأساليب السلوكية و القيم و المثاليات و طرائق الحياة و التفكير التي تتجسد في أنظمة و علاقات اجتماعية ، و أنساق للاعتقاد تتبلور حول حاجات الشباب و وضعهم في المجتمع و إحساسهم بمشكلاته وإسهامهم في تغييره "[iv] .
إن النظر إلى ثقافة الشباب محركا للحركة الطلابية يحيل إلى مصدرهام لتفسير سلوكات وتصرفات حشود الطلبة و الدوافع القابعة وراءها ،غير أن ثقافة الشباب هذه لا يمكن التسليم بها كدافع مطلق لنتائج و أهداف معينة لأن الشباب يختلفون في سلوكاتهم واندفاعاتهم ، وثقافتهم العامة تضم خصائص مختلفة من جماعة شبانية إلى أخرى و من جماعة طلابية إلى جماعة طلابية أخرى تبعا لاختلاف البيئات و الأحوال الاجتماعية و السياسية و الدينية و غيرها .
الحركة الطلابية في الجزائر :
* قبل الاستقلال :
بدأ انخراط الطلبة الجزائريين في التجمعات الطلابية في فرنسا قبل إنشاء جامعة الجزائر فكانت هناك " تنظيمات عامة مشكلة في كل جامعة ابتداء من تاريخ 1877 و التي تجمعت كلها في حدود 1907 لتشكل ما يسمى بالاتحاد الوطني للتجمعات الطلابية بفرنسا ( UNAEF ) و الذي يتحول فيما بعد إلى الاتحاد الوطني للطلبة بفرنسا ( UNEF ) الذي حاول جمع كل الطلبة على اختلاف توجهاتهم السياسية و الاجتماعية و الدينية و ذلك للدفاع صفا واحدا عن حقوقهم المشتركة "
[v] و لم تكن الحقوق التي سعى الطلبة إلى تحقيقها مشتملة على الجانب التحرري نظرا لطبيعة الفترة التي كانت تحياها تلك التنظيمات ، إذ أن هذه النقطة لم تطرح إلا بعد الحرب العالمية الثانية .
و قد انتظم الطلبة الجزائريون في الجزائر في" جمعية الطلاب المسلمين لشمال إفريقيا (AEMAN) بدءا من عام 1919 و جمعية الطلاب المسلمين لشمال إفريقيا بفرنسا ( AEMANF ) بدءا من عام 1927 "
[vi] ، و كان اندماج الطلبة الجزائريين في التنظيمات الطلابية ينظر إليه من جانب الاستعمار الفرنسي على أنه اندماج في الحياتين الثقافية و السياسية الفرنسية فانفتاح المجال أمام الطلبة الجزائريين كان فرصة لخلق طبقة طلابية قائدة موجهة بثقافة فرنسية دورها الآني استقطاب جموع الطلاب الجزائريين من أجل تكوين نخبة مستقلة تلعب دور الوسيط بين سياسة الاستعمار و الجماهير الشعبية خاصة في فترة لم يكن الوعي السياسي للطلبة الجزائريين قد نضج بعد فكانت مطالبهم لا تخرج عن مجالها الاجتماعي و التعليمي .
و لكن هذا الوعي ماانفك يزداد بعد الحرب العالمية الثانية فانتظام الجزائريين في منظمة طلابية وطنية اسمها الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين ( UNEA ) و التي ظهرت " عام 1953 و كان برنامجها أو ميثاقها ينص على الانفتاح على مختلف الشرائح الطلابية من أصل جزائري و لديها قناعات بضرورة استقلال الجزائر لكن دون تمييز عرفي أو ديني "
[vii] .
و لكن ضغط الواقع الطلابي و الثوري و الفكري جعل خلافا حادا يقوم بين تيارين داخل هذه المنظمة سببه حرف الميم (M ) الذي يعني المسلمين حينما أراد التيار الثاني أن تكون المنظمة باسم الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين ( UGEMA ) ، و كان رفض التيار الأول لإضافة حرف الميم وفاء للمبادئ الأولى التي نشأ عليها التنظيم و التي تستقر بشكل خاص في اللا تمييز الديني و العرفي و لكن هذه المبادئ أيضا تستند إلى إيديولوجيا معينة ترفض إضافة كلمة مسلمين و ما تحيل إليه من معاني في الثقافة و الشخصية ، بينما كان إصرار التيار الثاني على إقرار حرف الميم من أجل التأكيد على إسلامية شخصية الجزائريين و التميز بذلك عن الذات الاستعمارية ، و يبرر أحد أعضاء الاتحاد العام للطلبة الجزائريين إصرار هذا الأخير بالتمسك بحرف الميم بقوله " إن العملية كانت تخفي في طياتها مؤامرة خطيرة إذ لو تنازلنا عن انتمائنا الإسلامي في العنوان لفتحنا بأيدينا باب الانخراط لأبناء الجالية الأوروبية المقيمة بالجزائر و كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة في التعليم العالي فكانوا على سبيل المثال خمسة آلاف (5000 ) طالب بجامعة الجزائر ، بينما لم يتجاوز بها عدد الجزائريين الأربعمائة ( 400 ) "
[viii] ، و قد تغلب التيار الثاني في فرض الإسم بضم كلمة المسلمين للاتحاد الذي استطاع أن ينظم إضراب 19 ماي 1956 عن الدروس و التحاق الطلبة بصفوف الثورة الجزائرية و هي مرحلة أخرى من مراحل النضال الطلابي الذي لم يجد أمامه سوى العمل المسلح تجاوبا مع ما تفرضه المرحلة و تلبية الواجب الوطني حيث جاء في بيان 19 ماي 1956 على لسان الطلبة الأعضاء في الاتحاد " ... فما هي الفائدة إذا من هذه الشهادات التي تمنح لنا باستمرار ، بينما يخوض شعبنا كفاحا بطوليا ...... و نحن إطارات الغد يقترح علينا أن نؤطر ماذا ؟ و أن نؤطر من ؟ ربما الأنقاض و تلك الأكوام من الجثث التي خلفتها حوادث قسنطينة و تبسة وسكيكدة و تلمسان و أماكن أخرى دخلت بعد ضمن ملحمة وطننا "[ix] .
* بعد الاستقلال :
بعد استقلال الجزائر مباشرة تم حذف حرف الميم و الإبقاء على صيغة الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين ( UNEA ) الذي أصبح الممثل الوحيد للطلبة بمختلف مشاربهم السياسية والايديولوجية على أن يكون الهدف المنشود هو المضي قدما نحو تشييد و تنمية البلاد التي خرجت منهكة من الحرب التحريرية و استمر هذا التنظيم وحيدا إلى ما بعد أكتوبر 1988 تاريخ الانفتاح الديمقراطي و السماح بالحرية الحزبية و الحق في تأسيس الجمعيات ، لكن الفترة الواقعة بين الاستقلال و أكتوبر1988 لم يسدها الهدوء مطلقا فقد وقعت أحداث بعضها يرمي إلى تحقيق غايات اجتماعية و بعضها الآخر ذو صبغة سياسية أو إيديولوجية كأحداث 1979 الداعية إلى تعريب الجامعة و أحداث 1980 التي ترمي إلى الاعتراف بالبعد الأمازيغي كأحد أبعاد الشخصية الوطنية و أحداث الجزائر العاصمة 1982 و قسنطينة 1986 و غيرها .
بعد عام 1989 تعددت التنظيمات الطلابية و اختلفت مشاربها السياسية و الإيديولوجية حيث ارتبط كل تنظيم بحزب سياسي معين متبنيا مبادئه و أهدافه ، وبقدرما عملت هذه التنظيمات على الدفاع عن حقوق الطالب فإن دفاعهاعن مبادئ الأحزاب التي تنتمي إليها كان أشد و أقوى و هو ما يبدو واضحا في الصراع بين التنظيمات التي تنتمي إلى أحزاب إسلامية و أخرى وطنية أو شيوعية و هو ما فتح المجال لصراع معلن زاد من أزمة الجامعة و أوهن قدرتها خاصة عندما نعلم أن هذه التنظيمات لها نفوذها الذي يمكنها من الضغط على الإدارة التي لا تجد سوى الرضوخ لمطالبها الملونة سياسيا و إيديولوجيا .
[i] - بوتومور توماس – علم الاجتماع و النقد الاجتماعي – ترجمة السيد الحسيني و علي ليلة – دار الثقافة للطباعة و النشر – القاهرة – 1981 – ص 255 .
[ii] - نفس المرجع – ص 255 .
[iii] - نفس المرجع – ص 259 .
[iv]- محمد علي محمد – الشباب و التغير الاجتماعي – دار النهضة العربية للطباعة و النشر – بيروت – لبنان – 1985 – ص95 .
[v] - عبد الله حمادي – الحركة الطلابية الجزائرية 1871 ، 1962 " مشارب ثقافية و إيديولوجية " – منشورات المتحف الوطني للمجاهد – ط 2 - دون سنة نشر – ص 45 .
[vi] - نفس المرجع – ص 45 .
[vii] - نفس المرجع – ص 52 .
[viii] - صالح بن القبي –" الحركة الطلابية و ثورة 01 نوفمبر 1954 المجيدة"- مجلة المجلس الإسلامي الأعلى - دورية في الثقافة الإسلامية – عدد 2 – 1999 – ص 406 .
[ix] - نفس المرجع – ص 410 .

الأحد، 6 يونيو 2010

الإجابة النموذجية للاختبار الثاني

مقياس : مدخل إلى علم الاجتماع
سنة أولى علوم سياسية

السؤال الأول : حدد معاني المصطلحات التالية :
أ/ الظاهرة الاجتماعية : و هي كما عرفها دوركايم " نماذج من العمل و التفكير و الإحساس التي تسود مجتمعا من المجتمعات و يجد الأفراد أنفسهم مجبرين على اتباعها في عملهم و تفكيرهم ، بل و تفرض على إحساسهم " فهذه النماذج و الأنماط ينتجها الأفراد لكنها تستقل عنهم و يصبح لها قدر من السلطة عليهم .
ب/ الإستاتيكا الاجتماعية : و تعني دراسة المجتمع في حالة ثباته و استقراره أي دراسته باعتباره ثابتا خلال فترة زمنية محددة و دراسته كذلك في مختلف تفاصيله و جزئياته من خلال مختلف النظم و البنى التي تكونه ( النظام الاقتصادي ، الديني ، الأخلاقي ، السياسي ....).
جـ / الديناميكا الاجتماعية : و تعني دراسة المجتمع في حالة تغيره و تطوره أي دراسته في حركته الدائمة و المستمرة من خلال محاولة معرفة الكيفية التي يتغير من خلالها المجتمع والأسباب التي تؤدي إلى تغير طبيعة و وظيفة النظم و البنى الاجتماعية المختلفة .
د/ الفعل الاجتماعي : هو ذلك السلوك الذي يقوم به الأفراد حيث يتضمن هذا السلوك معنى يضفيه عليه الأفراد القائمون بالفعل من خلال ما يشكل ذواتهم من قيم و معايير و خيالات و أحاسيس .......، و يكون الفعل اجتماعيا بالقدر الذي يضع فيه كل فاعل أفعال الآخرين في حسبانه فيضفي الفاعل معنى على فعله من خلال ما يفهمه و يتوقعه من أفعال الآخرين .
السؤال الثاني : يميز دوركايم بين نوعين من التضامن الاجتماعي . أذكرهما ، و حدد الفرق بينهما .
نوعا التضامن الاجتماعي لدى دوركايم هما التضامن الآلي و التضامن العضوي .
الفرق بين نوعي التضامن الذين أوردهما دوركايم يكمن في اتصال كل نوع من أنواع التضامن بحالة التطور التي يكون عليها المجتمع ، فالتضامن الآلي نجده في المجتمعات البسيطة التي تضيق فيها الفوارق الاجتماعية و تتحد خلالها هموم الأفراد و اهتماماتهم على مستوى العيش و التفكير ، فالناس في هذه المجتمعات يحيون نفس المشاعر و تجمعهم المعايير و القيم ذاتها لذلك نجد بينهم انسجاما و تكاملا عقليا و عاطفيا نتيجة امتثالهم لهذه القيم المشتركة ، و قد سمى هذا النوع بالتضامن الآلي لأنه يحدث بشكل آلي و عفوي لا دخل فيه لأية وسائط مقصودة ، فالتضامن هنا يحدث نتيجة للسلطة الاجتماعية الممارسة على الأفراد من خلال المؤسسات المختلفة للمجتمع ( أسرة، قبيلة ........) . إنه ( التضامن الآلي ) يقوم على أساس تشابه و اتفاق الأفراد في جملة المعايير و القيم و المصادر المولدة لهما .
أما التضامن العضوي فيكون في المجتمعات المعقدة حيث يحل التضامن على أساس الاختلاف محل التضامن على أساس الاتفاق فسلطة المجتمع على أفراده تضعف كلما اتجه المجتمع نحو التعقيد فتصبح الصفة الغالبة على الأفراد هي الفردانية و اتجاه كل فرد نحو تحقيق احتياجاته الخاصة ، لذلك يمكن الاستثمار في هذا الاختلاف و في هذه الفردانية من خلال تقسيم العمل و الوظائف بين أفراد المجتمع ، فتقسيم العمل لدى دوركايم هو العامل الأساسي الضامن لعملية التضامن الاجتماعي فمن خلال تقسيم العمل يمكن أن يبرز نوع من الحاجة لدى الأفراد نحو بعضهم البعض فيكون هناك اتصال و تضامن فيما بينهم .
السؤال الثالث : لكل من ابن خلدون و ماركس إسهام خاص في مجال الدولة ، أبرز الكيفية التي نظر بها كل منهما إلى نشأة الدولة و انهيارها .
لقد اهتم كل من ابن خلدون و ماركس بقضية الدولة من حيث نشأتها و تطورها و انهيارها ، فابن خلدون يرى أن الدولة تقوم على أساس العصبية و هي تلك الرابطة التي تجمع الأفراد من خلال عنصر القرابة ( المصاهرة ، الدم ، الجوار .....) فهدف العصبية لدى ابن خلدون هو الملك و الدولة فالدولة في أول مراحلها تتسم بقوة العصبية لكن هذه العصبية سرعان ما تتلاشى خلال المراحل الأخيرة و ما يلازم ذلك من انغماس في الشهوات و إسراف و تبذير ، لذلك يكون الرفاه و الحضارة اللذان تبلغهما الدولة و يبلغهما معها المجتمع سببا في انهيار هذه الدولة و زوالها ، فالدولة لدى ابن خلدون كالشخص تماما لها عمر محدد بثلاثة أجيال و عمر الجيل الواحد هو أربعون سنة فلا مناص إذا أن تنشأ الدولة على عصبية من العصبيات ثم تتطور عبر مراحل أهمها تحقيق قدر من التطور و بلوغ درجة من التحضر نتيجة للعمل الجاد الذي تضمنه قوة العصبية التي تهدف إلى الحفاظ على أهل هذه العصبية و تحقيق حاجاتها المختلفة من خلال إقامة دولة تلبي لهم هذه الحاجات و المصالح لكن هذه الدولة تضعف و تتلاشى بتلاشي سبب قيامها و هو العصبية ثم تنهار بانهيار الرابطة التي تجمع الأفراد نحو بعضهم البعض و باللامبالاة التي يصبح عليها صاحب الدولة إذ يصبح كثير التبذير متلافا للخيرات التي تتوفر عليها الدولة فتصير الدولة إلى زوال .
أما ماركس فقد اعتبر أن الدولة تقوم على أساس الصراع ، فالتاريخ البشري هو تاريخ صراع بين الطبقات ، تحكم خلاله الطبقات السائدة حكما تستغل خلاله الطبقات التي تخضع لها ، فقد كان المجتمع البشري في أول أمره على حالة من المشاعية البدائية حيث كل شيء متاح أمام الناس جميعا ، لكن بتشكل الثروة وبروز الملكية ظهر النظام العبودي كوجه من أوجه الاستغلال الطبقي ثم النظام الإقطاعي ثم الرأسمالي حيث كانت عملية الانتقال تتم من خلال انقلاب الطبقات المستغلة (بفتح الميم ) على الطبقات المستغلة ( بكسر الميم ) ، ويرى ماركس أن النظام الرأسمالي سيؤول إلى الزوال من خلال الثورة البروليتارية ( ثورة العمال ) التي تطيح بهذا النظام المستغل وتقيم نظاما آخر جديدا يضمن توزيع الثروة بشكل عادل وهو الدولة الاشتراكية ، هذه الدولة التي تقوم على أساس ديكتاتوري من خلال الإطاحة بالنظام الرأسمالي ستكون دولة ديمقراطية لأن الأغلبية( طبقة العمال ) ستحكم الأقلية التي بقيت متمسكة بالمبادئ الرأسمالية ، لكن هذه الدولة ليست غاية في ذاتها لأن الهدف الأسمى لدى ماركس هو الوصول إلى مجتمع من دون طبقات ولاصراع حول الملكية ، لذلك ستكون الدولة الاشتراكية مجرد مرحلة فقط لإقامة المجتمع الشيوعي الذي تغيب فيه الطبقات وينتفي خلاله الصراع ويزول مبرر وجود الدولة ، فلا يصبح للمجتمع حاجة بهذه الأخيرة لأن هذا المجتمع سيصبح مفتوحا أمام الجميع فالكل يأخذ ماشاء وكما شاء وفقا لمبدأ " لكل حسب حاجته " تماما كما كان عليه الأمر خلال المرحلة المشاعية البدائية .

السبت، 29 مايو 2010

إشكالية بناء الهوية الثقافية


سفيان ميمون

تمهيد :
تحتل الهوية وإشكالاتها المختلفة حيزا لا يستهان به إن على مستوى الكتابات التي تتصل بالفكر والثقافة أو على مستوى ما تشكله من ضغوط فكرية لتفرض نفسها من خلال ذلك كمصدر اهتمام رئيس لدى الباحثين في مجال العلوم الإنسانية ،فهذا الفرض لايمكن له أن ينشأ ضمن سياق يتجه لتناول الهوية من منطلق ترف فكري يدفع الباحث للهو والتسلي بمختلف تشعباتها الفكرية ، وإنما واقع الفكر والثقافة وحده الذي يصنع الاهتمام ويجعل الباحثين محل ضغط لهذا الواقع ،ولا عجب أن تكون قضية الهوية في مقدمة قضايا الفكر والثقافة خاصة بعد تعدد المصادر المنتجة للأفكار في عصرنا الحاضر ، وقيام اتجاهات فكرية وأيديولوجية مختلفة لها رؤاها المؤسسة على واقع ماثل أمامها أو واقع آخر تريده .
1- في مفهوم الهوية :
الهوية مصطلح واضح الدلالة و هو يشير إلى الضمير " هو " الذي يعني التميز فهو يقابل الضمير " أنا " الذي يختلف عنه في الذات فـ " هو " ليس " أنا " و "أنا " ليس " هو " و بالتالي تكون الهوية هي مجموعة الخصائص المختلفة النفسية و الجسدية و المعرفية التي تميز ذاتا محددة عن أخرى .
و قد حدد مفهوم الهوية على أساسين اثنين هما الأساس الفردي و الأساس الجماعي وطنيا كان أو قوميا أ و إثنيا أو غير ذلك .
و يتموقع مفهوم الهوية حسب الدكتور أحمد بن نعمان في نوعين اثنين :"
[1]"
1- هوية فردية : و تعتمد أساسا على المميزات الجسدية التي تميز كل كائن بشري عن الآخرمن بين ملايين البشر في المعمورة كبصمات الأصابع التي تحدد أو تثبت هذا الاختلاف علميا .
2- هوية وطنية أو قومية : و هو مجموعة الصفات أو السمات الثقافية العامة التي تمثل الحد الأدنى المشترك بين جميع الأفراد الذين ينتمون إلى أمة من الأمم و التي تجعلهم يعرفون و يتميزون بصفاتهم تلك عما سواهم من أفراد الأمم الأخرى .
و من التمييز بين الهوية الفردية و الوطنية يخلص الدكتور بن نعمان إلى أن الهوية الوطنية أو القومية تتصل بالثقافة و تأخذ منها سماتها الأساسية بينما تشكل الهوية الفردية خصائص جسدية محضة فإذا "كانت بصمات الأصابع الفردية تميز شخصا ما عن آخر ، فالثقافة الوطنية أو القومية في عمومياتها هي البصمات الخاصة التي تجعل كل أفراد هذ الأمة أو تلك يتميزون بهويتهم الجماعية عن غيرهم من الشعوب و الأمم ..... "
[2] .
و في خضم فكرة التميز التي تؤسس الهوية يفرق " ميد " بين " أنا ( I ) كضمير و أنا ( Me ) كذاتي فأنا كضمير
( I ) هي استجابة و رد فعل الفرد بالنسبة لاتجاهات الآخرين ، و أنا كذاتي ( Me ) هي تنظيم مجموعة من اتجاهات الآخرين التي تشكل بناء الذات "[3] ، فالأنا كذاتي بوصف ميد هو مجموعة الخبرات و الخصائص و الاتجاهات و المواقف التي تميز جماعة معينة عن جماعة ثانية ، فتشابه أفراد هذه الجماعة في هذه الخبرات و الخصائص و الاتجاهات يجعل منهم ذاتا واحدة تختلف عن ذوات أخرى لها اتجاهات و خصائص و خبرات مختلفة ، و هو ما يعطي الانطباع على أن الانتماء إلى ذات معينة يحدده نوع معين من الثقافة أو بالأحرى تحدده مجموعة متشابهة من الخصائص الثقافية ، و ظاهر أن بعض التكتلات الإثنية على سبيل المثال لا تلغي تشكل هوية هذه الجماعات على أساس ثقافي لأن الانتماء العرقي هو انتماء ثقافي بالدرجة الأولى و أولى مظاهره تكمن في طبيعة نظرة الفرد إلى المجموعة الإثنية التي ينتمي إليها و التعصب لها .
و تعد الهوية " حصيلة لمجموعة من أنساق العلاقات و الدلالات التي يستقي منها الفرد معنى لقيمته ، و يضع لنفسه في ضوئها نظاما يشكل في إطاره هويته بحيث تتوفر له من جراء ذلك إمكانية تحديد ذاته داخل الوسط السوسيوثقافي باعتباره نظاما مرجعيا على المستوى السلوكي "
[4] ، و تقوم هذه النظرة للهوية على أساس تفاعل الفرد مع محيطه حيث يكسب هذا التفاعل الفرد القدرة الكافية على تمثل قيم و ثقافة الجماعة التي ينتمي إليها و تعزيزها من خلال نفس الوظيفة التفاعلية التي يؤديها ضمن هذه الجماعة .
" و من الواضح أن الهوية هي مركب بالغ التعقيد ينمو مع تعزيز ثقافة الأفراد و توسيع آفاقهم التاريخية و الفكرية و الثقافية و الإنسانية التي تعزز وعيهم بأمتهم و انتمائهم إليها "
[5] ، و هذا الانتماء هو الذي يعطي للهوية معنى التمايز الذي تقوم على أساسه تفاعلات ثقافية أساسية على غرار فكرة التبادل الثقافي التي لا يمكن لها أن تتم دون وجود خصوصيات ثقافية متعلقة بجماعة معينة أو مجتمع محدد .
و يعتبر محمد أرزقي بركان أن الخصوصية القومية للثقافة " شرط إيجابي لتحقيق التبادل الفكري في التعاون البشري لأنه إذا افتقدت الخصوصية اتسم الإنتاج الثقافي بالمماثلة و لم يعد ثمة منطق لفكرة المبادلة "
[6] .
و التبادل الثقافي لا يمكن أن يفهم فقط ضمن عملية تبادل الخصائص الثقافية البسيطة و لكنه يتم أيضا – وهذا هو الأساس – من خلال تبادل المنافع الحضارية في صورها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لأن سيرورة المجتمعات و سيادة أمة من الأمم تتم بالاعتماد أولا على تعميق تميزها أي بالاعتماد على خصوصياتها الثقافية و توظيفها توظيفا سليما لأن هذه الخصوصيات هي الأقرب من وجدان الأفراد وأذهانهم و هي التي تعمل دوما على تكييف شخصياتهم و تهيئتها ، كما أنها تقدم نفسها لهؤلاء الأفراد مادة خاما و قاعدة للبناء الاجتماعي و الحضاري .
و واضح أن الهوية تتموقع في موضع يقابل " اللا هوية " أي عدم الاعتراف بالخصوصيات الثقافية لجماعة من الجماعات و هي مقابلة نجدها اليوم في نزعة التسلط و محاولات الاحتواء الثقافي التي تنهجها البلدان المتقدمة ، يقابل ذلك ممانعة ثقافية على مستوى المجتمعات المحلية ، فالمستوى الأول مستوى تذوب فيه الهويات في هوية شاملة من القيم و الاتجاهات حيث تصبح هناك هوية واحدة شاملة جميع الثقافات أو هي " لا هوية " بتعبيرنا الأول لأن الحديث عن الهوية كتمييز للذات عن الآخر لا يصبح له معنى في هذا المقام فكل الهويات تصير إلى إطار و قالب واحد يضمها، و هذا المستوى يضم قدرا كبيرا من الهيمنة و ولع المغلوب بقيم و ثقافة الغالب بتعبير ابن خلدون إذ أن خطاب اللا هوية هذا نلمسه لدى مثقفي المجتمعات السائدة كما نلمسه أيضا لدى مثقفي المجتمعات المتطلعة إلى النمو و التقدم .
أما المستوى الثاني فهو مستوى التركيز و الحرص على التميز و ضرورة صياغة الذات في ثوب ثقافي تشكله خصوصيات الجماعة الاجتماعية و الوطنية بشكل خاص على اعتبار أن الوطن كفيل برسم المعالم الثقافية العامة للجماعات التي تعيش داخله رغم بعض الفروقات التي تميزها و التي يمكن اعتبارها مصدر غنى لثقافة وطنية تأسس لهوية ثقافية وطنية ، فهوية الجماعة أو الهوية الوطنية بشكل أعم هي التي تبني سيادة المجتمعات من خلال التميز الذي يناقض الرضوخ و الخضوع ثقافيا أو من خلال ترقية الذات بتثمين الخصوصيات الثقافية للمجتمع .

2- الهوية الثقافية : إشكالية البناء
قررنا في العنصر السابق أن الهوية وصف لبناء اجتماعي و ثقافي متميز ، و هذا البناء إنما يعكس صورة جماعة من الأفراد مجتمعين حول هذا البناء ، و لكن الهوية باتصالها الدائم بالثقافة و باتصالها كمفهوم بنفسية أفراد الجماعة من جهة و بواقعهم الموضوعي من جهة ثانية تفرز تصورا يتداخل فيه المنطق بالواقع و هذا التصور يستحيل إلى إشكالية في حد ذاته يطرح على هذا النحو : هل تتأسس الهوية على واقع موضوعي واضح ؟ أم أن للتخيلات الذاتية التي تتقاطع فيها جماعة كبيرة من الأفراد دورا في تأسيس هذه الهوية أو على الأقل إيجاد وهم بوجودها ؟
الواضح في هذه الإشكالية أن قضية الهوية طرحت على أساسين يمثل كل أساس وجهة نظر بعينها فالأساس الأول الذي ارتكزت عليه النظرة للهوية هو أساس ساكن يصور الهوية الثقافية متجلية في بعض الخصائص الثابتة على غرار الثقافة الواحدة و ما يشكلها من سمات و خصائص كاللغة و الدين والانتساب إلى وطن معين ، فثبات الهوية هنا هو الذي يصنع الأفراد من خلال مختلف الآليات و الوسائل التي تمتلكها الجماعة ، لذا " فإن الفرد ملزم بالانتماء إلى جماعته التي تحدد بدون استشارته هويته ،و معاييرها الموجودة في صورة قائمة أو جرد تبويبي يجمع علنا أو ضمنيا سمات الهوية الاثنية و السمات الثقافية الملازمة لها .... "
[7] ، أما الأساس الثاني الذي احتضن النظرة للهوية فهو أساس متحرك إذ أن الهوية لا يجب أن تبقى رهينة موروث ثقافي ثابت يفرض على جماعة بشرية بحكم انتمائها العرقي أو الجغرافي أو التاريخي و لكنها عبارة عن " إحساس بالانتماء و التعلق بمجموعة تتحول عن طريق التجريد إلى إطار تخيلي"[8] أي أن الانتماء الثقافي لابد أن يكون متحررا من سلطان الجماعة العرقية أو التاريخية مما يجعل الهوية قضية شخصية ينتمي خلالها الأفراد إلى تكتلات و جماعات يختارونها.
و الواقع أن الجماعة لا يمكن لها أن تبقى ثابتة على جماد أي أن تبقى أبنيتها متصلبة متحجرة ،كما أن تجاوز هذه الأبنية ضرب من العبث كذلك لأن تفكير الفرد ذاته يستمد مرجعيته من الأبنية الثقافية القائمة في المجتمع راهنا و ماضيا و ذلك بمسايرتها أي قبولها حينا و نقذها بمعنى رفضها أو تعديلها حينا آخر .
نفهم إذا أن الهوية مرنة في ذاتها و هي تستمد هذه المرونة من مختلف التفاعلات القائمة في المجتمع مما يضعها في دائرة العفوية دون القسر و التسلط ، ذلك أن محاولة خلق هويات معينة يحيل إلى نوع من التسلط الفكري الذي يفرض على جماعات معينة انطلاقا من أدوات إيديولوجية و تربوية و تعليمية تستخدم كسواعد قوية له .
و عندما نتحدث عن التفاعلات القائمة في المجتمع كمصدر رئيسي لتشكل الهوية الثقافية لدى جماعة من الجماعات فإننا نتجاوز مجرد العلاقات الاجتماعية التي تحدث تفاعلات اجتماعية و ثقافية إلى التفاعل بين هذه العلاقات ككلية و طبيعة الأيديولوجيا التي تحكمها ، فهوية الأمة حسب بعض الباحثين تتشكل من عنصرين أساسيين هما:
" نمط العلاقة الرابطة بين الأفراد و المنطلق الأيديولوجي الذي أنتج ذلك النمط"
[9]، غير أن جعل السيادة للمنطلق الإيديولوجي في تنميط علاقات الأفراد تفسير غير كاف لتشكل هوية الأمة رغم ما للبنية الفوقية من تأثير في هذا المجال ، لكن الواقع الموضوعي يثبت أن السيرورة التاريخية لبعض المجتمعات هي التي تبلور تصورا معينا عن الذات يصبح متداولا و مألوفا لدى أفراد الجماعة حينما يصبح هذا التصور الوصف المميز لهذه الجماعة ذاتها عن جماعات أخرى تختلف عنها في مسيرتها التاريخية .
" السبب في كون ثقافات المجموعات الأخرى و هوياتها تختلف عن ثقافتنا و هويتنا يرجع إلى كونها تعرضت و عانت تجارب تختلف عن تجاربنا ، إننا نصنع بما سبق أن صنعناه ، إننا نحقق أفكارنا ومقاصدنا في عالم الواقع ، و بعد أن تتبلور و تأخذ أشكالها الموضوعية المختلفة فإنها تحدد سلوكنا ومشاعرنا ، الأمة تصنع أنظمتها الثقافية و الاجتماعية ، و لكن هذه الأنظمة تشكل و تكون هوية الأمة "
[10]، إننا حينما نتوجه بالنقذ للمنطلق الإيديولوجي و دوره في إنتاج نمط العلاقة الرابط بين الأفراد والذي يكون الهوية لا يمكن أن نلغي دوره تماما كما أنه لا سبيل إلى التأكيد الكلي على دور علاقات الأفراد في خلق نمط ثقافي يبلور هوية الأمة فهما معا محددان لها كما سلف لكن لكليهما أثر في خلق الآخر و بالتالي تشكيل الهوية الثقافية للجماعة أو الأمة .
و كما الوقائع و الأحداث و السيرورات التاريخية و الاقتصادية تعمل على بلورة منظومة قيمية ومرجعية ثقافية يمكن اتخاذها هوية بذاتها فإن الإيديولوجيا أيضا لها من الآليات ما يمكنها من تنميط علاقات الأفراد و سلوكا تهم بعد تحديد المرجعية السياسية للهوية التي تميزهم .
ويمكن لنا أن نجد أثر الأيديولوجيا في سعي الدولة إلى تنميط المرجعية الثقافية للأمة أو إلى تنميط الثقافة التي تعرف بها هذه الأمة ، كما نلمس آلياتها في مضامين التربية و التعليم و التنشئة الاجتماعية و الإعلام و مختلف النشاطات الثقافية .
" لقد اتجهت الدولة - الأمة – منذ نشأتها إلى التصلب في إدارة الهوية و هي لا تعترف على العموم إلا بصورة أحادية للهوية تصفها بالوطنية ، و حتى الدول التي تتظاهر بقبول التعددية الثقافية فإنها تحدد ضمنيا خصائص طاردة لغيرها ، و حاصرة لمن هم داخلها "
[11] و هكذا يعمل جهاز الدولة على فرض نمط وحيد للثقافة و الهوية و إن تطلب الأمر أحيانا اللجوء إلى عمليات التصفية و التطهير العرقي كما حدث للمسلمين في يوغوسلافيا و عمليات الطرد و التهجير كما يحدث للفلسطنيين و عمليات التهميش التي تتعرض لها بعض الثقافات الفرعية في دول مختلفة من العالم .
"و لقد كان إنشاء النظام التربوي المنظم و الموجه من قبل الدولة – الوطن – الحجر الأساس الذي قامت عليه الدولة و استطاعت ضم جميع أفراد الوطن بقيم محددة و تاريخ مشترك و آمال مستقبلية وتطلعات و نشاطات موجهة و فعالة "
[12] كان هذا باسم الثقافة الوطنية التي تمثل هوية الجماعة التي تنتمي إلى هذه الدولة الوطنية .
و الوطنية مثلما هي جمع وصهر واغتناء بالخصوصيات المختلفة للجماعات التي يجمعها البلد أو المجتمع الواحد فإنها من جانب آخر تستخدم كأيديولوجيا لفرض توجه معين من الأفكار تمليه مصلحة جماعة من الجماعات ، فعن طريق عمليات التلقين و التنشئة الاجتماعية يعمل النظام التعليمي الرسمي على صياغة نمط من الشخصية العامة بناء على معالم ثقافية منتقاة بعناية و دقة حيث تشكل هذه المعالم الأطر العامة للثقافة التي تريد لها الدولة أن تسود رغم أن الدولة تعتمد في كثير من الأحيان على مفرزات التفاعل الاجتماعي خلال السيرورة التاريخية للمجتمع و تتخذ منها ميدانا خصبا لإنتاج وإعادة إنتاج الثقافة المجتمعية بما يتاح لها من وسائل مختلفة مما يسلم إلى اعتبار الدولة عنصرا مساعدا و وسيطا فعالا لتدعيم ثقافة المجتمع و تعزيز هويته الثقافية التي صنعتها الأحداث التاريخية و ما تعلق بها و لكن الذي يظهر في ممارسات الدولة كجهاز يمتلك السلطة في كثير من الأحيان هو عمليات الإقصاء و التهميش لعناصر ثقافية و استدماج لعناصر أخرى لم تفرزها سيرورة المجتمع تاريخيا أو تحوير بعض العناصر الأخرى و إفراغها من محتواها و ذلك حينما يتناقض مثلا تقنين العناصر الثقافية المعبرة عن الهوية مع مصالح أجهزة الدولة و ممثليها .
اتضح لنا بعض الشيء أثر الواقع العملي للجماعة و أثر المنطلق الأيديولوجي أو التصور كليهما في تشكيل الهوية الثقافية للجماعة لكن من خلال أسبقية أحدهما و قدرته على تكييف الآخر و بالتالي تكييف وتحوير الهوية على شكل من الأشكال ، و في هذه النقطة يعتبر برهان غليون أن فهم أزمة الهوية تتم فقط من خلال " التمييز بين الهوية من حيث هي واقع الجماعة المادي العملي ، و بين تصور الجماعة لهذه الهوية ، فقد أكون عربي الأصل و اللغة ( شخصيتي المادية ) و لكنن أعتبر نفسي غير ذلك ،أو أرى نفسي في مرآة عقيدية تجعلني أنظر إلى هذه الحقيقة الموضوعية نظرة ذاتية مختلفة ، و بقدر تطابق التصور مع الواقع تكون قوة الشخصية واتزانها و اتساعها ، بل وجودها كمقر لإدارة مستقلة و فاعلة "
[13].
و حينما يقر برهان غليون أن قوة الشخصية و بالتالي الهوية تكون بقدر تطابق التصور مع الواقع فإنه ينفي أن يكون لأحد هذين العنصرين القدرة وحده على خلق و تكوين هوية قوية و واضحة و ذلك حينما يوضح بأن " تحديد الهوية ليس على جميع الأحوال مسألة اعتراف بسيط بواقع ، و لكن إعادة تركيب هذا الواقع المعقد الذي نسميه الشخصية التاريخية "
[14] فالقضية هي صياغة تصور للهوية مبني و مؤسس على هذا الواقع ذاته .
إن أهم ما يميز الهوية الثقافية هو الحرية لا الالزام أي حرية الجماعة في اختيار هويتها ، و رغم أن هذه الحرية نسبية نظرا لتبعية الجماعة لمفرزات التاريخ و الجغرافيا و محتوياتهما إلا أن حريتها تتجسد في استقلالها عن هويات تفرض عليها بقوة القانون و هذا ما نميزه في أصناف العلاقة بين الهوية و الجنسية لدى أحمد بن نعمان حيث يجعل أصناف العلاقة بينهما ثلاثة هي:"
[15]"
1- استقلال الجنسية دون الهوية ( وضع بعض البلدان التابعة ثقافيا و خاصة لغويا لمستعمرها السابق ) .
2- استقلال الهوية دون الجنسية ( وضع الجزائر قبل 1962 وجزء من فلسطين حاليا) .
3- استقلال الهوية و الجنسية معا ( وضع كل الأمم المعتبرة في العالم و في مقدمتها الصين و اليابان و ألمانيا و كوريا و الفيتنام .....).
و يمثل الصنف الأخير شدة التطابق بين الهوية و مصداقها الإجرائي الذي يمثل حالة تصديق واعتراف لعناصر الهوية كما يمثل أيضا بابا واسعة لتمكين الهوية من التطور بناء على ميكانزمات وآليات محددة ، بينما يجسد الصنف الثاني خصوصية الاستقلال في الهوية فهذه الأخيرة حينما تتعرف على ضدها تزيد من حالة الاستنفار و التقوقع و بالتالي يصعب احتواؤها من قبل المستعمر الذي تمكن من الجنسية بفعل إجراءات القانون و القوة دون الهوية الثقافية ، أما الصنف الأول فهو الذي يهدد هوية الأمة بالزوال بفعل استدماج الأفراد في منظومة من القيم المنفصلة عن واقع الجماعة من خلال عمليات إعادة التشكيل الأيديولوجي و الثقافي التي تضطلع بها هيئات أجنبية أو محلية على السواء .
و يبقى أن تبعية الهوية في آخر أمره اختيار لهوية جديدة لم تأخذ في الحسبان الواقع العملي للجماعة أو أنها عملت على قراءته بكيفية أخرى مغايرة و هذا اتجاه آخر لفهم الهوية و التعاطي معها.
الهوية إذا من خلال هذه النقطة الأخيرة لا تفهم على نحو موحد و إنما على أشكال مختلفة ومتباينة، فإذا كانت الهوية بدءا هي ذلك التميز الذي يطبع جماعة ما في خصائصها و بنياتها الثقافية من خلال عناصر ثقافية واضحة و مرسومة فإنها – أي الهوية – من جانب آخر تتجاوز هذا المفهوم إلى مفاهيم أخرى تتراوح بين ضرورة تطور هذه العناصر وموافقتها للزمان و المكان إلى إلغاء هذه العناصر ذاتها والبحث عن عناصر أخرى لتشكيل هوية جديدة أو نسيان قضية الهوية و الانخراط في عالم "اللاهوية " بدعوى إنسانية الثقافة .
لقد برزت إشكالية الهوية في الوطن العربي مطلع القرن الماضي عندما لاحت في الأفق ملامح نهضة فكرية خلفت جدلا واسعا في كيفية النهوض من براثن التخلف التي أصيبت بها ربوع هذا الوطن أعن طريق تقليد القدامى ؟ أم بالتجديد و إعادة قراءة التراث قراءة حديثة ملائمة لسمات العصر ومظاهره ؟.
عرف هذا السؤال بالسؤال النهضوي و هو عند الجابري سؤال إيديولوجي حالم بتغيير الأوضاع نحو الأفضل فهو لا يسبق النهضة بل تسبقه و تنتجه فيمثل بذلك " شكلا من أشكال التعبير عن الوعي بها يعكس هذا الوعي، وفي الوقت ذاته ينظر للنهضة و يرسم الطريق الذي " يجب " أن تسير فيه ، الأمر الذي يجعل منه سؤالا – جوابا ، بمعنى أن الرغبة في الإدلاء بالجواب هي التي تدفع إلى طرح السؤال"
[16].
هكذا كانت الرغبة في الجواب على سؤال النهضة مرتكزا لتشكل تيارين رئيسيين غمرا الساحة الفكرية والثقافية في الوطن العربي إلى اليوم هما تيار التقليد و المحافظة على الإرث الحضاري للأمة العربية الإسلامية و ينعتون بالتراثيين و تيار التجديد و التحديث و ينعتون بالحداثيين .
لقد حدث هذا الانقسام في خضم الاصطدام الحضاري للأمة العربية الإسلامية مع الغرب المتطور الذي فرض تجربته التقنية و القيمية كمثال حضاري مغر خاصة بالنسبة للتحديثيين و الذين وصفو أيضا بناء على هذا بـ " التغريبيين " لاتجاههم نحو التجربة الغربية و الدعوة إلى تطبيقها في واقع المجتمعات العربية الإسلامية .
بناء على هذا الانقسام إذا حدث الانقسام في فهم الهوية و أسسها أو الاعتراف بها من عدمه أساسا ، فقد رأى التراثيون أن الهوية هي ما يشكل الأمة تاريخيا من لغة و عقيدة دينية و تاريخ مشترك و كل ما يدخل ضمن خصوصية الثقافة ، غير أن تشكل الهوية يمكن أن يلغي عنصرا أو عدة عناصر أو يضيف إليها بحسب الأيديولوجيا المتبعة ، خذ لذلك مثلا أن العقيدة الدينية لا يمكن أن تكون أسا لتكوين الهوية لدى القوميين العرب كما أن الوطن القومي و خصوصياته هي البديل عن الوطن القطري و هذا ما بدا واضحا في آراء رائد القومية العربية ساطع الحصري الذي " ركز على عوامل اللغة و الثقافة و التاريخ بالدرجة الأولى، و لم يعر اهتماما كبيرا لعوامل الجنسية أو الانتماء الأقوامي الأصلي ، أو لم يجعل منها شرطا من شروط تكوين الأمة ، كما لم يعر اهتماما كبيرا للعوامل الدينية أو الطائفية التي كانت إحدى مشاغل الحركة الوطنية في المشرق ، و يعتبر الحصري أن الأقطار العربية تشكل جزءا من أمة واحدة ، و ذلك مهما كان عدد الدول و مهما كانت الأعلام التي ترفرف على المباني الحكومية و مهما كانت طبيعة الحدود السياسية التي تفصل بين هذه الأقطار "
[17] .
و في الجهة الأخرى يعتبر الحداثيون أن الهوية يجب أن يعاد تشكيلها بعيدا عما يسميه التراثيون "بالثوابت " و ذلك إما بإلغائها و التنصل منها باعتبارها معيقات للتقدم و بناء حياة عصرية و راقية أو بإعادة قراءة هذه الثوابت قراءة تتوافق و متطلبات العصر، و ضمن هذا الإطار عبر الدكتور الطاهر لبيب في إحدى القنوات الفضائية عن الهوية بأنها " أنا أي ما أعيشه الآن "
[18] داعيا إلى قطع الصلة بالماضي كمحدد للهوية الثقافية .
وهكذا يضم الدكتور الطاهر لبيب صوته إلى صوت المغالين في فهم مسألة الهوية " فالمغالون من التحديثيين يرفضون فكرة الهوية ذاتها ويعتبرونها هراء لا معنى له ترتبط في رأيهم بالدين وما يمثله في نظرهم من وعي غيبي لا عقلاني مخالف للقيم الحضارية الحديثة ، والمغالون من التراثيين يرفضون العلم والحضارة باعتبارهما يشكلان نفيا للدين وبالتالي للهوية القومية"
[19] .
لكن هذا الاختلاف لا يلغي بعض الاتفاق بين الفريقين خاصة بين المعتدلين منهم إذ أن كليهما يتوجه إلى التراث بمحاولة لإعادة القراءة مع اختلاف في الأساس الذي يقرأ به هذا التراث من جديد ،فالتراثيون يقرؤون التراث العربي الإسلامي بروح هذا التراث ذاته ،بينما الحداثيون يتجهون إلى قراءته من منطلقات منهجية و فكرية أفرزتها الحضارة الغربية ، وهنا يرى أحد التراثيين أن "النهضة العلمية الذاتية يمكن أن ترتكز على روح التراث وحوافزه الروحية والفكرية أكثر من منجزاته العلمية والصناعية،هذه الروح التي توجد محاضن صالحة للتكنولوجية المنقولة عن الغرب تجعلها مغروسة في بيئتنا ، و ملائمة لحضارتنا ، و متفقة مع أهدافنا ، و قد تدفعنا هذه الروح إلى تجاوز الحضارة الغربية في مرحلة تاريخية لاحقة "
[20] .
غير أنه و في الجهة المقابلة هناك رهان على أن التكنولوجيا و هي من سمات الحضارة الحديثة هي وحدها من يصنع القيم الثقافية التي تدخل في صياغة الشخصية الإنسانية فإذا كان حسب معن زيادة " ثمة عامل يقرب في عصرنا الراهن بين الثقافات القومية و الخاصة فهو العامل التكنولوجي : انتشار التكنولوجيا ، و خلقها لأنماط متقاربة من السلوك و التفكير ، و تضييقها لرقعة العالم ، و غير ذلك كثير يجعل التكنولوجيا عامل توحيد ثقافي على مستوى العالم بأسره "
[21] .
لا شك إذا أن الخلاف في مسألة الهوية إنما هو خلاف إيديولوجي في أساسه إذ ينظر كل فريق للهوية على أساس طبيعة المجتمع الذي يريده بخصوصياته الثقافية ، فبينما ينظر التراثي إلى القيم العربية الإسلامية كأساس تقوم عليه الأمة لتعرف بهذه القيم و ما لازمهما من خصائص فيما يكون هويتها الخاصة ينظر الحداثي إلى قيم الحداثة من ديمقراطية و حرية و عدالة و مساواة و غير ذلك مما أفرزه عصر التنوير الأوروبي و الذي أدى إلى ازدهار و تقدم الغرب كأساس لا بديل عنه من أجل النهوض و التقدم ،و عليه فإن اتخاذ العقلانية سبيلا دون الدين الذي يمثل الغيبيات و الأساطير و عدم تمجيد اللغة الوطنية غير القادرة على مواكبة التراكمات العلمية الحاصلة و غيرها من القيم هي ما يجب أن يعرف به المجتمع و يطور لنفسه شخصية و هوية خاصة تبنى فقط على هذا النمط من القيم ليتسنى له النهوض و الارتقاء ،و من هذا المنظور نظر سمير أمين إلى المأزق الذي تتخبط فيه الهوية بأنه موجود في " عدم الوعي بأن مواجهة التحدي تتطلب الخروج من آفاق الميتافيزيقا ، و طالما لم تفهم هذه الضرورة سيظل التساؤل عن الهوية يطرح في إطار ملتبس لا يؤدي إلى أية نتيجة إذ أن " الهوية " المزعومة تترادف مع" التراث " و تطرح على أنها متناقضة تماما مع " التحديث " الذي يرادف بدوره " التغريب "
[22] .
و تتضح أدلجة الهوية أكثر في اتصال الذات بالآخر الذي يقصد به " الغرب المستعمر " لدى التراثيين و " الغرب المتطور " الذي يملك الحضارة لدى الحداثيين حيث يتخذ هذا الاتصال شكل علاقة نفور أو تعلق ، فقد أصبح الغرب طرفا رئيسيا في تحديد الذات لدى المجتمعات العربية الإسلامية و بناء على هذه العلاقة أصبح " رفض الذات شرطا لقبول الحضارة أو توطينها ، و إنكار هذه الحضارة شرطا لتأكيد الذات "
[23] لدى أحد الاتجاهين ، لكن تكريس هوية بحالها لا يقتصر على الدوافع الإيديولوجية وحدها بل تسوقه أيضا و توجهه مصالح معينه " فالمصالح الجماعية والخاصة بشعب ما أو ببعض طبقاته تستخدم هذا المفهوم حول الهوية القومية كأداة في خدمة هذه المصالح ، و بالتالي فإنها تغذيه و تعمل على تثقيف مجتمعاتها به "[24] ، و هذا ما يفسر تحول نظرة بعض النخب الاجتماعية و السياسية إلى الهوية في بعض البلدان العربية و في بلدان المغرب العربي بشكل خاص بعد الاستقلال عما كان يعد ثابتا غير متغير فيها على غرار الدين الإسلامي و اللغة العربية و ذلك حسب صالح الهرماسي لأن " الأيديولوجيا الوطنية ذات المضامين العروبية و الإسلامية التي تصدت للاستعمار و استلهمت مخزون الهوية في الكفاح الوطني غيرت لبوسها بعد الاستقلال و اتخذت من المثال ذي المرجعية الغربية مضمونا جديدا يجسد التبعية السياسية و الاقتصادية و الثقافية لدولة الإستقلال من جهة و ينسجم مع طبيعتها القطرية الضيقة من جهة أخرى "[25] .

خاتمة :
يبدو أخيرا أن النظرة إلى الهوية الثقافية يكتنفها خوف مضاعف : خوف على ضياع مميزات شعب وخصائص أمة وخوف آخر من هذه الخصائص ذاتها ، هذا الخوف الذي سكن عقول المحافظين والحداثيين له جدوره الثقافية التي تغذيه ، كما له جدوره السياسية والاجتماعية أيضا ، ولكن المهم أن هذا الخوف المتبادل والذي خلف صراعا فكريا وثقافيا ، ورغم قيمته الفكرية له أثره البالغ في تشتيت الفكر لدى الجيل الصاعد ،والذي يؤول إلى تكريس الانقسام " في " الهوية بعد أن كان ثمة انقسام "حول " الهوية لدى النخبة المثقفة ، هذا على مستوى المجتمع الذي تتفق وتتلاحم قيمه التاريخية ويبقى الاختلاف والخلاف قائمين على مستوى النخبة التي تتبنى اتجاهات فكرية مختلفة أي على مستوى طبيعة المجتمع الذي تريده هذه النخب ، ويمكن أن نلاحظ أ ن الاتجاهات التي تتخذها مختلف النخب حول الهوية إنما هي مواقف معلنة حيال جملة من العناصر الثقافية أهمها : الدين ،اللغة ، التاريخ ، الحضارة ، التقدم ، التخلف ، العقلانية ، ..... هذه العناصر تعد مفاتيح هامة و أسس رئيسة لتشكيل الاتجاه نحو الهوية من خلال قبول هذه العناصر أو رفضها أو تعديلها أو إثرائها ... و لكن المشكلة لا تكمن في اعتبار هذه العمليات الثقافية مشكلة بذاتها و لكن في اتجاه مثقفينا إلى تبني اتجاه فكري في شكله الجاهز دونما تمحيص له و لا نقذ لتبقى العناصر التي تشكل هوية الأمة تتأرجح بين القبول و الرفض .
المراجع /
[1 ]- أحمد بن نعمان – الهوية الوطنية – الحقائق و المغالطات – دار الأمة للطباعة و الترجمة و النشر و التوزيع – الجزائر – 1995 – ص 23 .
[2] - نفس المرجع – ص 24 .
[3] - جورج لارين – الإيديولوجية و الهوية الثقافية : الحداثة و حضور العالم الثالث – ترجمة فريال حسن خليفة – مكتبة مدبولي – القاهرة – ط 1 – 2002 – ص 246 .
[4] - مصطفى حدية – التنشئة الاجتماعية و الهوية - كلية الآداب – الرباط – المغرب – ط 1 – 1996 – ص 25 .
[5] - قيس النوري – الشخصية العربية و مقارباتها الثقافية – مطبعة مكتبة الطلبة الجامعية – إربد – الأردن – ط 2 – 2002 – ص 232 .
[6] - محمد أرزقي بركان –" التحول هل هو بناء للهوية أم تشويه لها "– مجلة فكر و نقد – دار النشر المغربية – الدار البيضاء – المغرب – عدد 12 – أكتوبر 1998 – ص 55 .
[7] - محمد العربي ولد خليفة – المسألة الثقافية و قضايا اللسان و الهوية – منشورات ثالة و الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية – الجزائر – 2003 – ص 109 .
[8] - نفس المرجع – ص 111 .
[9] - محمد صالح الهرماسي – مقاربة في إشكالية الهوية – المغرب العربي الكبير – دار الفكر – دمشق - ط 1 – 2001 –
ص 24 – نقلا عن عبد المجيد النجارفي كتابه : صراع الهوية في تونس .
[10] - نديم البيطار – حدود الهوية القومية – نقد عام – بيسان للنشر و التوزيع و الإعلام – دون مكان نشر- ط 2 – 2002 – ص 214 .
[11] - محمد العربي ولد خليفة – المسألة الثقافية وقضايا اللسان والهوية - مرجع سابق – ص 115 .
[12] - غسان منير حمزة سنو و علي أحمد الطراح – الهويات الوطنية و المجتمع العالمي و الإعلام – دار النهضة العربية – بيروت لبنان – ط 1 – 2002 – ص 36 .
[13] - برهان غليون – المحنة العربية – الدولة ضد الأمة – مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – لبنان – ط 2 – 1994 – ص 59 .
[14] - نفس المرجع – ص 59 .
[15] - أحمد بن نعمان –مرجع سابق – ص 24 .
[16] - محمد عابد الجابري – المسألة الثقافية في الوطن العربي - مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت – لبنان ط 2 - 1999– ص 62 .
[17] - برهان غليون – المحنة العربية – الدولة ضد الأمة – مرجع سابق – ص 66 .
[18] - قناة العربية الفضائية - حصة روافد – حوار مع الدكتور الطاهر لبيب- الجمعة 07/ 12/2007 من الساعة 6.30 إلى الساعة 7.00 مساء .
[19] - برهان غليون – اغتيال العقل – محنة الثقافة العربية بين السلفية و التبعية – المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية – وحدة الرغاية – الجزائر – 1990 – ص 31 .
[20] - أكرم ضياء العمري – التراث و المعاصرة – سلسلة كتاب الأمة – دار الكتب القطرية – عدد 10 – 1985 –
ص 31 .
[21] - معن زيادة – معالم على طريق تحديث الفكر العربي – سلسلة عالم المعرفة– المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب- الكويت – عدد 115 – 1987 - ص 58 .
[22] - سمير أمين – الأمة العربية – موفم للنشر – الرغاية – الجزائر - 1990 – ص 243 .
[23] - برهان غليون – اغتيال العقل – محنة الثقافة العربية بين السلفية و التبعية – مرجع سابق – ص 33 .
[24] - نديم البيطار – مرجع سابق – ص 203 .
[25] - محمد صالح الهرماسي – مرجع سابق - ص 18 ، 19 .

السبت، 20 فبراير 2010

رأي في الهجرة " غير الشرعية "


هي ظاهرة جديرة بالاهتمام والدراسة والبحث قبل أن تكون محلا لإطلاق الأحكام هكذا جزافا ، وتوجيه الاتهامات للفاعلين الذين يكونون تلك الظاهرة ، إنها ببساطة ظاهرة الهجرة غير الشرعية التي أسالت الكثير من الحبر ، كما أسالت الكثير من اللعاب أيضا لدى شباب الجنوب الذين يفتقدون للمأوى والعمل ، ويستشعرون حياة الذل والملل ، حتى سيطر عليهم الكسل وصارت آمالهم معلقة بقارب ينجيهم من هذه الحال دونما تفكير في بذل جهد على مستوى الفكر والبدن لإيجاد حل يرضي النفس ويعزز همتها كي تقف وتقاوم هذا الواقع المفروض.
نقرأ ونسمع ونحيا الأحكام المختلفة التي تطلق على الظاهرة فهي بدءا ظاهرة " غير شرعية " لأنها تتم خارج الإطار القانوني ، فهناك قوانين دولية تضبط عملية الهجرة وتضفي عليها صفة الشرعية ، وهي أيضا ظاهرة
" غير شرعية " لأنها تزعج البلدان التي تحتضن المهاجرين لأن أكثرهم من البطالين الذين لا عمل لهم ، والبؤساء الذين حرموا من كل شيء في بلدانهم فغامروا بأرواحهم من أجل كل شيء أو لا شيء ، فهما خياران ليس لهما ثالث اللهم إلا الموت المحقق غرقا في عر ض البحر .
وهي ظاهرة
"غير شرعية " أيضا لأنها تحرج البلدان الأصلية للمهاجرين أمام الدول المهاجر إليها بحكم العلاقات والقوانين الدولية التي تجمع هذه الدول ، كما أنها أيضا ظاهرة "غير شرعية" لأنها تحدث نزيفا في القوى العاملة والكفاءات والعقول التي تهاجر فتترك فراغا رهيبا في مجتمعاتها يعسر على هذه المجتمعات سده .
هذا هو الخطاب الذي يلازم ذكر المهاجرين الذين يمتطون القوارب خلسة من شواطئ الجنوب باتجاه شواطئ الشمال حيث يكونون ظاهرة " سلبية وغير شرعية " وهي كذلك بحكم منطقية التبريرات التي يضمها هذا الخطاب ، وهي منطقية تنبني على نظرة عامة لواقع وحال المجتمع في علاقته مع ذاته من خلال تقدير مصالحه الخاصة حيال هذه الظاهرة حيث يشكل المهاجرون – كما ذكرنا – نزيفا حادا في البنية الاجتماعية كان على المجتمع أن يؤممهم لنفسه مستغلا كفاءاتهم وقدراتهم البدنية والعقلية ، كما تنبني أيضا على نظرة عامة لواقع وحال المجتمع والدولة في علاقتهما بالدول والمجتمعات الأخرى حيث تؤسس الهجرة " غير الشرعية " لعلاقات دولية جديدة على المستوى السياسي والاجتماعي معا ، فبعد أن تجد الدول الأصلية للمهاجرين نفسها في موقع حرج تزداد المكانة الاجتماعية لمجتمعات المهاجرين الأصلية تدهورا وانحطاطا و هو ما يجلب لها عدم الاحترام الدولي وتنامي الاعتقاد الدولي بدرجات الظلم والفساد الذي تتعامل بها هذه المجتمعات والدول مع مواطنيها، والاقتناع بغياب الديمقراطية وقمع الفرد في جوانبه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية داخل هذه المجتمعات ، وكما نعلم فإن للمجتمعات مكانتها الاجتماعية التي تتحقق من خلال ما تقوم به من أدوار حيال مواطنيها قبل كل شيء تماما كما هي حال الفرد الذي تتحدد مكانته الاجتماعية من خلال ما يؤديه من أدوار إزاء محيطه العام .
يتضح لنا إذا أن الخطاب الذي يبرر عدم شرعية هذا النوع من الهجرة صحيح في جوهره حينما يتصل بالمنطق فكل التبريرات المقدمة لتدنيس العملية ونبذها مؤسسة منطقيا ، ولكن هل يؤسس الواقع هذه التبريرات ويقبلها ؟ إذ أن للواقع أيضا منطقه الذي يعكس مجموعة التناقضات الاجتماعية التي تلقي بضلالها على أنماط السلوك والتفكير المختلفة .
يقول الواقع أن مجتمعات الجنوب غير قادرة على تأمين حياة كريمة محترمة لمواطنيها فما بالك باستخدامهم واستغلالهم في تنمية وتطوير بناها المختلفة ، فالفقر والبطالة و العنوسة أمراض اجتماعية متفشية في هذه البلدان ، وهي أمراض تهدد البناء الاجتماعي كله وتزيد من هشاشته و اختلاله ، لذلك نجد الكثير من المتعلمين حينما تثار قضية الهجرة غير الشرعية ينتجون نوعا من الخطاب يخالف الخطاب السائد حيث " يشر عنون " هذا الضرب من الهجرة من خلال منطق ومبدأ المصلحة والمنفعة- وليس المصلحة الشخصية الخاصة بالأفراد فحسب- أي الذين تتحقق لهم بعض الامتيازات والأماني خلال قيامهم بعملية الهجرة ، ولكن المصلحة العامة التي تتصل بالمجتمع كله ، ذلك أن هجرة الأفراد العاطلين عن العمل والفقراء البائسين يقلل من نسب وقوع انزلا قات اجتماعية وثورات داخلية ، حيث يمثل هذا النوع من الهجرة حلا بديلا ولو على مستوى التصور والتخيل العام في غياب حلول جوهرية للمشاكل والأزمات الاجتماعية ، فالهجرة "غير الشرعية " والتي تصبح بهذا المنطق الذي يفرزه وينتجه الواقع هجرة شرعية بامتياز تمثل أملا للأفراد في تجاوز مشاكلهم ، وإن كان هذا الأمل لا يعدو أن يكون وهما لدى الأغلبية تستغله الأنظمة العاجزة عن معالجة الأوضاع والأنظمة التي يريقها تدهور الأوضاع من أجل تمديد حكمها والحفاظ على بقائها ، فهذا الأمل-الوهم- إذا يمثل حاجزا منيعا أمام الأفراد لئلا يثوروا على الوضع ويعملوا على إزعاج القائمين على زمامهم المكلفين بتوفير حاجياتهم الحياتية ، فالظاهرة بهذا المعنى تأخذ طابعا شرعيا بالمعنى المجتمعي المحافظ حيث يعمل الواقع على شرعنتها مع الحفاظ على تفاصيله وحماية بناه المختلفة من أي اختلال تحدثه ثورة عارمة يقود إليها ضنك العيش والعراء والفراغ والبطالة.
يسلمنا هذا إلى أن الهجرة "غير الشرعية " وثباتها كأمل للأفراد البائسين يعمل على خدمة طبقة فقط وهي الطبقة التي بيدها مقاليد التنفيذ من خلال الحفاظ على الوضع القائم كما هو دون تغيير، وليس خدمة المجتمع من خلال تفعيل آليات التطور والتقدم الاجتماعي ، ولكن إدراك حقيقة التركيب المجتمعي لكثير من مجتمعات الجنوب والذي يؤكد على تمسك الطبقات الحاكمة بكراسي الحكم ولو على حساب مصالح شعوبها التي تبدأ بتأمين حياتهم المعيشية بتوفير ضروريات الحياة المختلفة وربما كان ذلك- كما ذكرنا- إستراتيجية دقيقة ومحكمة من أجل عملية الاستتباع البشري الذي تمارسه هذه الطبقات يبعد الأمل في تحسن الوضعية المعيشية بالشكل المطلوب والكافي لعملية التقدم الاجتماعي الذي يجر إلى حالة من الديمقراطية التي لا تتوافق مع مصالح هذه الطبقات ، فتصبح الهجرة "غير الشرعية " بهذا المنطق عملية شرعية باعتبارها أداة لانعتاق الأفراد من الناحية المادية حيث تفتح لهم أبواب الرزق من خلال السعي في الأرض رغم المصاعب والمتاعب الكبيرة التي يلاقيها المهاجرون في البلاد التي يهاجرون إليها ، وباعتبارها كذلك أداة لانعتاق الأفراد من الناحية الفكرية حيث يجد الكثير منهم خاصة- المتعلمين- الجو الملائم لتفجير طاقاتهم الفكرية والعلمية كما يجدون مساحات هامة للتعبير عن آرائهم خاصة إذا استطاعوا تسوية ملفاتهم ،وهي امتيازات يعدمونها في بلدانهم الأصلية .
ولما كانت هذه هي حال المجتمعات التي يعيشون فيها وكانت تلك هي حال المجتمعات التي يأملون العيش فيها فإن اعتبار الاتجاه نحو هذه الظاهرة هو اتجاه فيه شيء من الشرعية المنطقية لأن اتجاه الأفراد كان نحو العيش وليس الموت وكان نحو التقدم وليس التخلف ونحو تحقيق طموحات مشروعة مقابل طمس هذه الطموحات ودفنها في بلدانهم الأصلية ، فالضغط الذي يمارسه الواقع المتقدم على الأفراد من خلال آليات اجتماعية كثيرة كالإعلام والتكنولوجيا المتقدمة وغيرهما يجعل الأفراد يندفعون نحو هذا الواقع من أجل عيشه "هناك " لأن عيش واقع متقدم بمثل ذلك الواقع الذي يمارس عليهم إغراءه كل يوم وحين من خلال مختلف الآليات والوسائل غير متاح " هنا " أي في مجتمعهم الذي يعيشون فيه ، ومن خلال هذا فقط " تتشرعن " اتجاهات الأفراد للعيش في مجتمع متقدم ونبذ ورفض مجتمع متخلف وإن اقتضى الأمر الهروب بجلدتهم والفرار من الواقع الذي يعيشونه مكبلين بسلاسله وأغلاله ।