الأربعاء، 28 مارس 2018

العلوم الاجتماعية بين الميثودولوجيا والأيديولوجيا

سفيان ميمون


يناقض المنهج العلمي في الأدبيات العلمية الأيديولوجيا ، فالمنهج العلمي وفقا للعلوم الحديثة ، أي العلوم التي ظهرت في العصر الحديث :في مطلعه ( العلوم الطبيعية) وفي آخره ( العلوم الاجتماعية) يعتبر الأساس الذي يقوم عليه أي علم ، و تمثل الأيديولوجيا في هذا السياق وبخاصة في العلوم الاجتماعية اللاعلمي بامتيىاز ، لهذا نجد في حقل العلوم الاجتماعية منذ نشأتها خلال القرن التاسع عشر إلى اليوم سجالا حادا حول علمية العلوم الاجتماعية ، وقياس ذلك باستخدامها لمنهج علمي ، بل واستخدامها لمنهج علمي محدد .لقد استمدت العوم الاجتماعية شرعيتها من القطيعة التي أحدثتها مع الفلسفة وركوبها لمنهج علمي في صورة المنهج التجريبي الذي مثل الأساس لازدهار العلوم الطبيعية وازدهار الصناعة وتطور المدن في أوروبا ، هذا المنهج نفسه يتم استدعاؤه من قبل علماء المجتمع الأوائل ( سان سيمون ، كونت ، سبنسر..) ليكون دعامة وأساسا لنشأة العلوم الاجتماعية ، غير أن هذا المنهج نفسه ينطوي على موقف أيديولوجي متصل باستراتيجية الاتجاه المحافظ وموقفه المتحفظ من فلسفة التنوير.فبالقدر الذي أسس المنهج التجريبي للعلوم الاجتماعية فقد كان من جانب آخر أداة لتكييف الدراسات الاجتماعية وفق الرؤية المحافظة ، كما تمت الدعوىة إلى ماسمي ب" الموضوعية العلمية " كأساس منهجي في ممارسة العلوم الاجتماعية ، غير أن الأساس الذي قامت عليه هذه الموضوعية هو أساس أيديولوجي بامتياز متصل بالموقف من الدين والعقل ، وقد راحت العلمانية تتماهى في كثير من تفاصيلها مع "الموضوعية العلمية" ، بل لقد مثل إبعاد الدين وتحييده الموضوعية ذاتها في كثير من الدراسات الاجتماعية .وبالإضافة إلى قضية الدين فقد تعرضت العلوم الاجتماعية في ممارستها إلى " خيانة عظمى" خاصة من قبل الأنظمة الاستعمارية الحديثة ، فقد تم اسغلال العلوم الاجتماعية ومناهجها من أجل إخضاع الآخرين والسيطرة عليهم ، نتحدث هنا بشكل خاص عن السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الاستعمارية التي عملت على تبرير احتلالها وبسط هيمنتها بدعوى " العقلنة" وتحرير الانسان المستعمر (بفتح الميم) من "الخرافة" إلى الحياة العصرية القائمة على " العلم" ، ويبدو ذلك خاصة في عمليات التزييف التي تعرض لها الواقع الاجتماعي والثقافي باسم العلم ، ومفارقات التعاطي مع الأحداث من قبل علماء المجتمع ، ونذكر هنا على سبيل المثال الكيفية التي تعاطى بها ماركس وصديقه أنجلز مع احتلال الجزائر من قبل الفرنسيين ،فالنظرة العامة لهذين المفكرين الذين كانا بصدد إعداد نظرية عامة حول جدل الطبقات تشير إلى أن وعي الطبقات المقهورة بوضعية القهر إنما هو أول بوادر التحرر وتغيير الوضع القائم ، غير أن نظرتهما للجماعات التي كانت تقاوم الغزو الاستعماري في الجزائر كان مختلفا تماما مع قناعتهما النظرية ، حيث رأى ماركس في استعمار الشمال الإفريقي عملا حضاريا ، كما رحب إنجلز بالغزو الفرنسي للجزائر ورأى فيه وسيلة هامة لتقدم الحضارة.ويمكن الحديث عن حضور الأيديولوجيا في العلوم الاجتماعية من خلال النزعة الشمولية للعلم التي نجدها لدى ممارسي هذه العلوم في الغرب ، هذه النزعة التي تشير إلى أن نظريات العلم ومناهجه التي أنتجت في الغرب يمكن تعميمها على باقي أقطار المعمورة ، فالغرب أصبح "نبيا" مبشرا بالحقيقة العلمية ،هذه الشرعية التي اكتسبها من خلال قوته الحضارية والتقنية ،على الرغم من أن العلوم الاجتماعية كثيرا ما ترتدي ثوب النسبية بما في ذلك ضرورة التحفظ عند اللجوء إلى التعميم ولو كان ذلك متصلا بالظواهر المتشابهة ، يقابل هذا نزعة أخرى نجدها لدى ممارسي العلوم الاجتماعية في البلدان العربية تتصل بمحاولة التعاطي مع المعطيات والوقائع بخلفية نظرية ومنهجية محلية يتم من خلالها استدعاء التراث المعرفي المحلي واستخدامه كخلفية تفسيرية ، يتجسد ذلك خاصة في استدعاء التراث العربي والإسلامي لدى البعض لغرض " تبيئة" تفسير الظواهر والأحداث ، أي أن هذه الأحداث والظواهر هي بنت بيئتها وعليه كان الواجب هو تفسيرها وفق نظريات ومناهج ولدت من رحم هذا السياق الذي أنتجها ،هذا الاختلاف ، بل الصراع في منطلقات التفسير يعبر عن صراع إيديولوجي بين نزعة الغرب للتسلط وبين ونزعة المقاومة التي يبديها ممارسو هذه العلوم في الشرق وبكيفية تصبح المعرفة والعلم خلالها واسطة أساسية في هذا الصراع ،مع أن هذا الصراع لا يتوقف عند هذين الحدين ( الشرق والغرب) ، بل إن الشرق نفسه يمكن أن ينشطر إلى شقين شق مقاوم لهذه " النزعة المتسلطة " وشق ثان مندمج ومتماه مع هذا الغرب في تصوره " الشمولي" و " المركزي" ، أي نظرته لمركزية المعرفة والعلم من حيث مصدرهما، وهنا يدخل الشرق في مواجهة ذاته ويتزحزح الصراع إلى دائرة الهوية .   


الجزائر وأنثروبولوجيا الاستعمار

      سفيان ميمون

لقد تزامنت نشأة الأنثروبولوجيا كعلم خلال القرن التاسع عشر مع موجة الاستعمار الغربي للبلاد الأخرى ، فقد جعل هذا التزامن من الأنثروبولوجيا حليفا حقيقيا للاستعمار الذي كان يبحث عن أراضي جديدة وثروات إضافية لتلبية الحاجات الصناعية في أوروبا ، فقد كان الاعتماد على تقنيات ووسائل الأنثروبولوجيا باديا لدى الإدارة الاستعمارية من خلال الاعتماد على وصف تركيبة الشعوب المستعمرة ونظمها الاجتماعية وثقافاتها ... ، كما كانت هذه العمليات تتم من قبل ضباط الجيوش الاستعمارية الذين كانوا في الواجهة ، مما مكنهم من إعداد التقارير حول الخصائص التي تميز الشعوب وحول طبيعة البيئات التي تسكنها ، وكل هذا من أجل التمهيد الثقافي والفكري للغزو العسكري أو للمحافظة على بقاء واستمرار النظام الاستعماري .
لقد خضع المجتمع الجزائري خلال الفترة الاستعمارية إلى الوصف والدراسة وكانت طبيعة الجزائري وسلوكه ولغته ودينه وطريقة عيشه وتركيبته العرقية ووضعية المرأة...محلا للوصف والتنظير ، وقد ارتبطت عمليات الوصف والتنظير هذه بالمصلحة الاستعمارية أكثر من ارتباطها بالموضوعية التي يتطلبها العلم ، ذلك أن الاستعمار الفرنسي لم يكن ينوي اكتشاف خصائص الجزائري لذاتها ولكن من أجل السيطرة وبسط الهيمنة وإدامة بقاء النظام الاستعماري .
وفي خضم عمليات الوصف تم رمي المجتمع والفرد الجزائري بالتوحش ،وأن الجزائري من جنس همجي وهو يتميز بالبدائية مما يقتضي تطويره عن طريق تلقينه ثقافة المستعمر ، وهذا ما دعا إلى الرجوع إلى الدين وتقديمه كعامل أساسي في تخلف المجتمع ، بالإضافة إلى الجمعيات الأهلية والدينية التي عمل الاستعمار على فهم دورها في تنظيم شؤون المجتمع ثم تحويل هذا الدور إلى خدمة مصالحه الاستعمارية ، كما تم التركيز أيضا على المرأة كدعامة أساسية في المجتمع الجزائري ووصف حالها واعتبارها في مكانة أقل من الرجل ، ورميها بأحكام مليئة بالسخرية ، لقد شكلت ذهنية الجزائري حسب كثير من الباحثين الفرنسيين عائقا أمام تدجينه وحمله على الانصياع ، لذلك تم الاتجاه إلى محاولة إزالة توحش هذا الجزائري عن طريق التعليم وفق النموذج الفرنسي.
بناء على هذا تم تقسيم المجتمع الجزائري إلى ثنائيات من أجل التفريق وتأليب بعضها على البعض الآخر كثنائية عرب- بربر مثلا، وقد كانت ثنائية عرب –بربر الوتر الأساسي الذي استخدمه منظرو الاستعمار من خلال خلق ماسمي ب "الأسطورة القبائلية " التي تعتبر حسب "فيليب لوكا " و" جون كلود فاتان " في كتابهما – جزائر الأنثروبولوجيين- " ابتداعا غير عقلاني قائمة على استدلالات علماء مزيفين وهادفة إلى احتواء سياسي واقتصادي "، فمن خلال التنظير لأصل البربر واختلافه عن أصل العرب والتركيز على الاختلافات في الطباع والملامح الجسمية حاول منظرو الاستعمار في البداية الاستعانة بالقبائل من خلال تمجيد هذا العرق ، لكن الصورة تغيرت باستقرار المعمرين على الأرض الجزائرية حيث لم تعد ثمة مصلحة في هذا القبائلي ، وبالتالي تم الاتجاه إلى تأليب القبائل ضد العرب بغرض التفرقة والحفاظ بالتالي على مصالح المعمرين والنظام الاستعماري ، ومن المقولات التي حاول منظروا الأنثروبولوجيا الاستعمارية فرضها مثلما يرى لوكا وفاتان أن: " القبائلي يكره العربي والعربي يكره القبائلي ، فهذا المقت المتأجج لا يمكن تفسيره إلا بشعور تقليدي توارثته الأجيال ، كره بين عرق الغزاة ( أي العرب ) والعرق المقهور ( أي القبائل ) " ، ويذكر المختصون في هذا الشأن أن الممارسة الأنثروبولوجية في الجزائر تدرجت خلال المرحلة الاستعمارية من مرحلة الحملات االعسكرية الرامية إلى محاولة اكتشاف مناطق البلاد والإلمام بطبيعة السكان وخصائصهم ، إلى مرحلة فهم تركيبة المجتمع ومؤسساته الدينية والتعليمية ، وهنا يمكن الحديث عن نمط التعليم والجمعيات الدينية الفاعلة في المجتمع ، وأخيرا مرحلة الاعتماد على الأنثروبولوجيين المتخصصين والأكاديميين ويمكن أن نذكر هنا: جيرمين تيليون، و جاك بيرك ، و بيير بورديو ...الخ.
و قد تشكلت في خضم المرحلة الاستعمارية ذاتها اتجاهات مؤسسة لأنثروبولوجيا مخالفة للأنثروبولوجيا الاستعمارية ، كما كان الحال في الجزائر مع فرانز فانون الذي دعا إلى التركيز على الثقافة الوطنية التي تعرضت للاحتقار من قبل كثير من الأنثروبولوجيين الفرنسيين وضرورة إقرانها بالكفاح المسلح ، فالثقافة الوطنية هي التي تغدي الكفاح الذي يزيل الاستعمار ، كما أن الكفاح من شأنه خلق وتدعيم الثقافة الوطنية الجزائرية حسبه ، وهي الحالة ذاتها التي ميزت بلدان العالم الثالث بشكل عام خاصة بعد مرحلة الاستعمار حيث أصبح التركيز باديا في الممارسة الأنثروبولوجية على مسالة الثقافة في ارتباطها بحركات التحرر والاستقلال ،أي إعادة الاعتبار للثقافات الوطنية وعناصرها ، إضافة إلى الاهتمام بالقضايا العامة للإنسان المعاصر وقضايا التنمية وغيرها، مما يحيل إلى ضرورة فصل الأنثروبولوجيا عن الصفة الاستعمارية التي التصقت بها منذ نشأتها ، كما كانت هناك اتجاهات لممارسة أنثروبولوجيا محلية ،أي تولي مهمة البحث في هذه المجتمعات أنثروبولوجيين محليين ينتمون إلى بلدانهم الأصلية ، في مقابل حضور أنثروبولوجيين غربيين إلى هذه البلدان في السابق ، وهو ما طرح إشكالات في هذا المجال تتعلق بإمكانية قدرة الباحث المحلي على التخلي عن الأحكام المسبقة نتيجة اتصاله العضوي بهذا المجتمع ، في مقابل اللا موضوعية التي طالما ميزت الباحثين الغربيين ،على الرغم من أن المقارنة بين الحالتين غير جائزة تماما بالنظر إلى الهدف من الممارسة الأنثروبولوجية لدى الباحثين الذين ينتمون للنظام الاستعماري ،والذين عملوا على تقديم نتائج أبحاثهم لهذا النظام الرامي إلى الهيمنة والسيطرة ،في مقابل نزعة التحرر التي تعتري الباحثين المحليين وإحساسهم المتزايد بضرورة التخلص من رواسب الاستعمار باستدعاء الآليات والوسائل المختلفة للتنمية .

أهمية العلوم الاجتماعية في التنمية – علم الإنسان نموذجا –


سفيان ميمون


إذا كان دور العلوم الطبيعية محسوما في مساهمتها بشكل مباشر في تنمية المجتمع اقتصاديا واجتماعيا فإن للعلوم الاجتماعية دورها الواضح والخطير أيضا في هذا الشأن ، فإليها يوكل الأمر في تفسير وفهم الواقع الاجتماعي والسياسي والأخلاقي ...، كما أنها تساهم في تحديد الجوانب الطبيعية والصناعية أيضا ، فلا يمكن فهم مجال الصناعة مثلا بالاعتماد على الجانب التقني وحده والذي تمثله العلوم الطبيعية ، بل لا بد من الرجوع أيضا  مختلف التفسيرات الأخلاقية والقيمية والتي تنتجها العلوم الاجتماعية ليكتمل فهم الواقع الصناعي .
من هذا يبدو واضحا أن العلوم الاجتماعية تقف جنبا إلى جنب مع العلوم الطبيعية  في فهم الواقع وتفسيره وتقديم الحلول لمختلف المشاكل التي تواجه الانسان ، لكن العلوم الاجتماعية واجهت منذ نشأتها مشكلة أخرى تتصل بعلاقتها مع العلوم الطبيعية ومناهجها ، فالعلوم الاجتماعية اتخذت موقفين مختلفين في هذا الشأن ، أما الموقف الأول فهو موقف ينزع نحو الطبيعة أي يؤسس تفسيراته على الموضوع بعيدا عن الذات ،أي إبعاد الجوانب الذاتية في الفهم ، فكل معرفة إنما تقوم على السبب الذي يوصل إلى حقيقة الظاهرة وهو منهج اساسي في العلوم الطبيعية ، وقد كان ستوارت مل وأوغست كونت من رواد هذا الاتجاه حيث كان سعيهما واضحا لبناء فزياء اجتماعية ، أي لبناء علم اجتماعي لا يختلف في بنائه ومنهجه عن العلم الطبيعي ،وأما الموقف الثاني فقد جاء لإثبات الجانب الانساني الذي ألغاه اصحاب الموقف الأول الذين نزعوا أكثر نحو الطبيعة وأهملوا الإنسان ، فالإنسان لدى أصحاب هذا الموقف عامل أساسي في فهم واقع الإنسان نفسه ، فالخبرات الانسانية والتوقعات والميول وغيرها عوامل أساسية في الفهم ، يقول" ديلتي" في هذا الصدد :" إنه لمن الضروري بمكان تأسيس هذه العلوم على نظرية معرفية وإكساب استقلالية وظيفتها مشروعية وقوة ، بالإضافة إلى التخلي نهائيا عن إخضاعها من حيث مبادؤها ومناهجها لمبادئ العلوم الطبيعية ومناهجها " .
وتشكل العلوم الاجتماعية مجتمعة إطارا عاما تتعدد جوانبه ،فإلى جانب علم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم السياسة كعلوم اجتماعية صرفة ، نجد علم الانسان ( الأنثروبولوجيا ) يجمع بين الرؤية الاجتماعية والرؤية الطبيعية ،فعلم الانسان هو ذلك العلم الذي يصف ويقارن ويحلل الخصائص والصفات الطبيعية البيولوجية والثقافية الاجتماعية ، وإذا ركزنا على علم الانسان في جانبه الاجتماعي الثقافي فإننا نجد أن لهذا العلم فوائد جمة في الإحاطة بالواقع الاجتماعي والثقافي للإنسان بغرض توظيف ما تسفر عنه الدراسات في هذا الجانب العلمي لفائدة الانسان نفسه ، ومثال هذا استحداث فرع " الأنثروبولوجيا التطبيقية " التي تبحث في كيفية توظيف ما توصلت إليه الأنثروبولوجيا في الحياة الاجتماعية .
لقد نشأت الأنثروبولوجيا في خضم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي حصلت في أوروبا أواسط القرن التاسع عشر ، ولئن كان علم الاجتماع قد وجه لفهم هذه التغيرات وحل المشكلات الناتجة عنها فإن الأنثروبولوجيا وجهت لفهم مجتمعات أخرى خارج أوروبا بغية فهمها وتقديم معلومات عنها ، لذلك نشأت الأنثروبولوجيا وترعرعت في سياق النزعة الاستعمارية الغربية للسيطرة على المجتمعات الواقعة وراء البحر.
إن استخدام علم الانسان في إنتاج نظريات حول العرق والثقافة لتبرير الوجود الاستعماري يجعل الاعتقاد يترسخ أكثر بالطابع الاستعماري للأنثروبولوجيا ، لذلك فإن هذا العلم قد انتهى مفعوله بانتهاء فترة الاستعمار لان الهدف الذي أنشئ من أجله هذا العلم قد زال ، لكن الواقع يبين أن علم الانسان كعلم اجتماعي مازال دوره قائما الى الآن خاصة وأنه يرتبط بجملة من الموضوعات الثقافية والاجتماعية التي تفرض نفسها بقوة اليوم على غرار " الثقافة "،" النظم الاجتماعية "، "الهوية الثقافية " ،"الاندماج الاجتماعي والثقافي " ،"العولمة الثقافية " ، " دور الأسرة "  .....،وهي موضوعات شائكة تتطلب الفهم ، كما أننا بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الاعتماد على أنثروبولوجيا موسعة تشمل جميع المجالات من خلال إعادة  الاعتبار لمختلف الابعاد الاجتماعية والثقافية في مختلف مؤسساتنا ، فتسيير هذه المؤسسات لا بد أن يرتكز إضافة إلى الجوانب التقنية على الجوانب الروحية والأخلاقية لأن تسيير أي مؤسسة هو قبل كل شيء تسيير للمورد البشري الذي يشكلها .


الخميس، 4 يونيو 2015

تهافت " العلمانيين"

سفيان ميمون

  "العلمانيون " عندنا يشنون حملة شعواء على حملة " كن رجلا ولا تترك بناتك تخرجن بلباس فاضح " ردا على حملة السيقان العارية التي حاولت الانتصار لطالبة منعت  من اجتياز امتحان شهادة الكفاءة المهنية في المحاماة بسبب قصر لباسها ....، "العلمانيون " يحاولون تصوير الأمر بأنه نجاح للمجتمع الشرقي المحافظ في تكريس الذهنية المشرقية التي تلحق المرأة بالرجل وتخضعها له في كل شيء ....كما يعتبرونه فشلا للأفكار " التنويرية " التي يناضل من أجلها الكثير من المفكرين " التنويريين " الذين فكوا قيود المقدس ....هذا الذي مازال يمارس سلطته في كل حين ولحظة ....فعندما ترفع شعار "كن رجلا " نساء وتناضلن بقوة وشراسة فإن هذا دليل قاطع على نجاح " البنية الثقافية التقليدية " في بسط سلطتها ونفوذها ......وهو في الوقت نفسه دليل على فشل "عملية التنوير "؟؟.
إن ادعا ء وصاية الذهنية المشرقية على النساء تقابله وصاية أخرى غير معلنة على النساء من قبل هؤلاء" التنويريين "...إنها ضربة قاضية لحوالي قرن من النضال ...من أجل اطراح الحجاب ، والظفر بحريات جمة في مجال السفر والعبث...الخ ، لينم قاسم أمين قرير العين ولتنم هدى الشعراوي أيضا ...ولترفع نوال السعداوي يديها إلى السماء .......
لا أدعي البتة مساندة اضطهاد  النساء أبدا ولا الحجر على حقوقهن ....نعم هناك عنف ممارس ضدها ..هناك اضطهاد ناتج عن أنماط ثقافية تشكلت خلال سيرورات اجتماعية معينة ..لكن هذا لا يدفع إلى استغلال الأمر من أجل تمرير أفكار وقيم ليس لنا ...نناضل من أجل ترسيخها بدافع تنوير المجتمع ....يريدون عصر تنوير عربي بعد عصر التنوير الأوروبي الذي مرت عليه حواي ثلاثة قرون ..تماما مثلما أعلنو عن عصر النهضة العربية مطلع القرن العشرين بعد مرور أكثر من أربعة قرون من النهضة الأوروبية ....إنه تقليد أعمى .....
هذا التقليد الذي أعلن عنه علي حرب وهو من أشد هؤلاء " التنويريين " في كتابه " أوهام النخبة " حيث المثقف في المجتمعات العربية لا يخرج عن دائرة التقليد سواء قلد الشرق برجوعه إلى سلف الأمة أم قلد الغرب في الأفكار والمبادئ التي جاء بها عصر التنوير الأوروبي .
أعتقد أن هذا الصراع هو حلقة جديدة من حلقات تنويم الجماهير من خلا ل إنتاج فعل وإنتاج رد فعل مقابل له لإلهاء هذه الجماهير عن الفساد الذي يستفحل يوما بعد يوم ، ومحاولة التخفيف من الانتقادات والانفجارات الاجتماعية المحتملة نتيجة استفحال هذا الفساد ، فحيثما تكون " خالتي حدة " لا بد أن يكون هناك " عمي عمار " للتراشق وتبادل الفعل ورد الفعل مع استقطاب الموالين لهذا وذاك ...وبذلك يتحول الاهتمام الرئيسي للجماهير من هذا إلى ذاك ....دليل هذا أن " هذا " و "ذاك " في كثير من الأحداث ينتميان إلى قلعة واحدة لكن الإعلام يصورهما خصمين عنيدين .
إذا كفانا تلاعبا بالمشاعر ...كفانا تطاولا ...بذهنية " تنويرية " لا نؤمن بها في أعماقنا ، فالمرأة "المتحررة "في ماهو معلن من خطابات هذه الفئة تتحول إلى امرأة "عاهرة " عندما يلتفون حول فنجان قهوة داخل مقهى .......

عقدة المثقف


  سفيان ميمون  



لم يعد مقبولا تحديد مفهوم المثقف بمن يملك كما من المعارف في مجال محدد ، ولكن المثقف لدى شريحة واسعة من المفكرين اليوم هو من يحمل هم جماعته بنصرتها والدفاع عنها ،على أن تكون هذه النصرة مؤسسة على قناعة وإيمان ، وتعبر القناعة عن حالة التماهي بين المثقف والجماعة التي ينتمي إليها ، فدفاع المثقف عن جماعة لا يؤمن بقضيتها وقيمها يحيل على التملق والنفاق. 

لقد استشرى النفاق الاجتماعي لدى النخبة المتعلمة ، فنجد الواحد يسلك مالا يعتقد به ، ويغير الرأي بين موضع وموضع وبين زمان وآخر ، إن سلوكه بما لا يعتقد ناتج عن عدم تحكمه في ذاته ، فهو ملك لمنظمة أو مؤسسة تملي عليه ما يقول ويكتب ، إننا في هذه الحالة أمام ما يعرف ب " المثقف الموظف" وهو مفهوم تداوله العديد من المفكرين وطرحه السوسيولوجي الجزائري عبد القادر جغلول كبديل ل" المثقف العضوي" عند أنطونيو غرامشي ، لدينا مثقفين موظفين أي مثقفين فاقدين للحرية ينفدون فقط ما تمليه عليهم المؤسسات التي ينتمون إليها وإن كانوا لا يؤمنون بمبادئها وأيديولوجيتها العامة . 

أما المثقف العضوي بمفهوم غرامشي فإنه يحيل إلى حالة من الإبداع على مستوى العلاقة بين المثقف والجماعة التي ينتمي إليها حيث يساهم المثقف في بناء أيديولوجية المؤسسة لتسير وفق منظوره ولايسير وفق منظورها كماهي حال المثقف "الموظف" بمفهوم عبد القادر جغلول ، أما المثقف " المقلد " لدى جغلول فيعوض المثقف " التقليدي " لدى غرامشي حيث يعمل المثقفون عندنا على تقليد ما أنتج من أفكار ومعارف ضمن نظم ومؤسسات تقليدية ، وليس الإبداع والابتكار بما يحيي هذه النظم والمؤسسات لتعود إلى الواجهة . 

إن المثقف " الموظف " والمثقف " المقلد " حسب جغلول صفتان لحالة المثقف الجزائري المتسمة بالتبعية والركود ، مازال هذا الوصف حقيقا بالمثقف الجزائري إلى اليوم رغم أنه طرح مطلع الثمانينات في سياق الجدل الثقافي النقدي لحالة النخبة التي زاد انقسامها حدة بعد الاستقلال ، تماما مثلما لم تتغير الذهنيات والبنى الاجتماعية عما شاهدناه في فيلم " كرنفال في دشرة " منتصف الثمانينات . 

في مثل هذه الحالة يسود منطق " كول الخبز واسكت " ليكون القاعدة الأساسية لأي اتجاه أو تعبير ، الخبز هو الميزان وليس القضية أو الرأي ، ورغم هذا فإن التمسك بالخبز من وجهة نظر ما أمر مقبول إذا توقف " مثقفونا " عند هذا الحد ، فالمثقف كمالك للمعارف والأفكار (صاحب رأسمال ثقافي ) كثيرا ما يلجأ إلى التعالي والاعتداد بالنفس ، فيظهر في صورة المتعالي وقد خيل له أنه المثقف الوحيد والأوحد القابض على جوانب الثقافة كلها . 

عندما قرأت تعليقا لأحد الدكاترة " الكبار" من الذين لا يفارقون شاشات التلفاز عن مقال نشرته لي جريدة الخبر العام الماضي أصابني الإحباط فلم أعد أقرأ ناهيك عن الكتابة ، يقول هذا الدكتور وهو من المثقفين " الموظفين" :"إن الساحة الثقافية اليوم أصبح يحتلها الفئران "، هذا التعالي الذي ظهر به الدكتور يقابله احتقار للأقلام الشابة التي تحتاج إلى تشجيع . 

إننا ننتقل في مثل هذه الحال من صورة المثقف "الموظف " التي طرحها جغلول إلى صورة المثقف "الهادم " الذي اتخذ لنفسه وظيفة الهدم بدل البناء والتشجيع ، هدم الآمال لدى الشباب ليكتسبوا ويتمرنوا في مجال القراءة والكتابة . 

هناك صورة نمطية للمثقف اليوم في مجتمعنا يسعى إليها كثير من المشتغلين في الحقل الثقافي تتمثل في هيئة المثقف ذاته ، فلكي تكون مثقفا عليك بربطة عنق إن كنت أستاذا أو إطالة الشعر إن كنت كاتبا وهلم جرا...،كل هذا لتجلب إليك الأنظار ويشار إليك بالبنان ، إنه من الأمراض الثقافية لدى الجيل الحالي ، وهو ناتج عن خلل في البنية الاجتماعية بشكل عام ، وحيث يختل نظام التكوين على المستوى المعرفي والشخصي ، وتطرح أسئلة كثيرة متصلة بالمكونين أنفسهم ومختلف السياقات الاجتماعية والثقافية التي تكونوا فيها ، وأثر ذلك فيمن يتكونون لديهم ...إنها المعادلة الصعبة التي تحكم مجال الثقافة في الجزائر .

 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=469115

الثلاثاء، 5 أغسطس 2014

أين الإنسانية ؟

سفيان ميمون


لم تر الإنسانية كلها مثلما رأت في غزة الجريحة ، فمشاهد القتل فريدة  وآلة القتل شديدة ، لكن هذا كله لم يشفع للناس هناك ، بل هنا ، لأنهم يسكنون قلوبنا نحن الضعاف الذين لا نقوى على شيء ، لم يشفع لهم  بقوي يوقف النار والدمار ، رغم أن النار ستبقى وإن توقف الدمار ، نار الأبناء والآباء الذين فقدوا ، وسير بهم إلى المقبرة .
الانسانية بمعنى التكتل البشري الذي يملأ هذا العالم تخفي رأسها في الرمل كالنعام إلا من رحم ربك حيث تحرك القليل من المستضعفين لنصرة غزة لكنهم لم يغيروا في الوضع شيئا ، أما الأقوياء ء فإنهم يقفون إلى جانب القوي الظالم فهم ظلمة أيضا ومعتدون حالهم كحال المعتدي المباشر .
الأقوياء لا يبالون بما يرون من صور للموتى في غزة بل يرون ذلك حقا للدولة الغاصبة في الدفاع عن نفسها ، إنها المجزرة الأعنف  في حق النساء والأطفال والشيوخ ،فإذا كانت مجزرة الشجاعية وغيرها من المجازر التي ارتكبها العدو الصهيوني الغاشم موغلة في القتل والترويع فإن تبرير القتل من أقوياء العالم وسادته دول ومنظمات هو جريمة الجرائم الذي يؤشر على استمرار المأساة .
أقوياء العالم يراوغون ليقتلوا الفلسطينيين وقضيتهم ويفسحوا المجال لليهود كي يستوطنوا الأرض المقدسة وحدهم من غير شريك ، إنهم يراوغون ليضمنوا استمرار إرسال حثالتهم البشرية الى هناك والتخلص منهم ، وليضمنوا كذلك قوة الحارس الذي نصبوه على أراضي الشرق الأوسط والوطن العربي كله . 
لاإنسانية مع المصلحة ، الإنسانية اليوم باتت في خانة الكذب والديمقراطية كذلك ، لا أمم متحدة ولا قانون دولي محترم مع جرثومة الشرق الأوسط التي لم ينفع معها دواء ، لقد صرنا نخال العالم غابة كبيرة  وكأننا ننتظر روسو ليخط لنا كتابه " العقد الاجتماعي " حتى نعرف كيف ننتظم سياسيا واجتماعيا في عالم يأكل فيه القوي الضعيف ويتحالف القوي مع القوي على هذا الضعيف نفسه .
أين الإنسانية التي طالما تشدق بها الغرب ، وأين الديمقراطية التي أنشأ لها جمعيات ومنظمات ؟ لقد باتت في خبر كان ، نقرأ هذا في عدم احترام هذه الجمعيات والمنظمات ليس من المحتل الصهيوني فحسب ولكن من أقوياء العالم المساندين للعدوان ، فحكومات هذه الدول لا تفعل شيئا عندما تقصف مدارس الأونروا ، بل لا تقول شيئا، فلا حرمة لهذه المدارس ومن فيها لأن الذي دمر هذه المدارس هو الابن البار لهذه الدول ، ولو مست هذه المدارس في أماكن أخرى غير الأرض الفلسطينية لصدعت رؤوسنا بشعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي وانتهاك حرمة هيئة دولية ...وكأن الفلسطينيين لا حق لهم حتى في الحياة .
إن تحالف الدول الغربية وتآمرها على العرب والمسلمين ليس غريبا علينا فقد ألفنا ذلك زمن الاستعمار الغربي على بلداننا ، لكن الغريب والمؤسف هو تحالف بعض الحكومات العربية مع قتلة الاطفال في غزة ودعمهم للعدوان وهو ما بدا من خلا ل الإعلام المرتبط بهذه الحكومات خاصة في مصر التي كان يعلق عليها دوما الأمل الاكبر في تخفيف المشاكل في المنطقة . لقد غابت الإنسانية أيضا عن هذا الإعلام فلم تشغله الجثث الهامدة بقدر ما شغلته حماس " الإرهابية " التي استطاعت أن ترسل من قواعدها بضع صواريخ قليلة الفاعلية ، لاإنسانية لمن يمنع الطعام والدواء على أخ وجار محاصر من كل الجوانب ،  فهي مشاركة واضحة في القتل ، حاله كحال المعتدي بل أشد لأن الموت بالرصاص والشظايا أهون من الموت جوعا .

غابت الإنسانية لدى هؤلاء جميعا لكنها حاضرة في قلوب المستضعفين الذين صنعوا أكواما من الكراهية لدولة المحتل وحلفائهم في الغرب والشرق ، ولعل هذه الكراهية التي تنمو في القلوب هي وحدها التي تكفل للفلسطينيين حقوقهم المهضومة ولو بعد حين .

الأحد، 23 فبراير 2014

عن الثقافة الوطنية في الجزائر



  
  سفيان ميمون

 لم يكن مفهوم الثقافة الوطنية واحدا منذ أن توطن الاستعمار الفرنسي في الجزائر وأنشأ مدارسه وخرج إطاراته ، فقد بدأ الخلاف في عز الحركة الوطنية الجزائرية بمشاربها الأيديولوجية المختلفة ، حيث راح كل اتجاه يرسم صورة المجتمع الذي يريده من منطلق ما يتبناه من عقيدة ، واستمر الخلاف بعد الاستقلال من خلال تيارين أساسيين راحا يحددان طبيعة العناصر التي " يجب " أن تتخذ كأسس لبناء صرح الثقافة الوطنية الجزائرية .

فبرز التيار الأول في صورة محافظة تنشد العودة إلى الماضي واستحضاره من جديد ليشكل دعامة أساسية للنهوض والتطور ، فاللغة والدين والتاريخ هي الركائز الأساسية لتشكيل ثقافة وطنية جزائرية تتشكل وفقها هويتنا التي نعرف بها ، ونذكر من الداعين إلى هذا الموقف الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي الذي وثق رؤيته في كتاب صدر بعيد الاستقلال سماه " من تصفية الاستعمار إلى الثورة الثقافية " ، كما لنا أن نذكر أفكار الدكتور أحمد بن نعمان المبثوثة في ثنايا مؤلفاته المختلفة ، والذي واصل في طريق هذه الرؤية المحافظة التي تعتبر امتدادا للتيار المحافظ ، الذي شكل طرفا مهما من أطراف الحركة الوطنية الجزائرية قبل الثورة ، ففي كتابه " مصير وحدة الجزائر بين أمانة الشهداء وخيانة الخفراء" ، يرى بن نعمان أن استخدام اللسان الفرنسي مثلا في مجالات الحياة المختلفة إنما هو استكمال لمسيرة الاستعمار الفرنسي الذي كان يهدف إلى استبعاد اللغة العربية وإبعاد المجتمع الجزائري عن تاريخه مما يسمح بإذابة هذا المجتمع في بوتقة الأمة الفرنسية .

أما التيار الثاني فراح يرفض محاولات التقديس التي طالت عناصر ثقافية محدودة ( اللغة والدين والتاريخ) ، لذلك دعا أنصاره إلى  ضرورة توسيع هذه العناصر مع الإبقاء عليها جميعا أو رفض بعضها لضرورة معينة ، وضمن هذا الإطار نجد مصطفى الأشرف في كتابه " الجزائر الأمة والمجتمع " يفاضل بين الأمة والمجتمع فيرجح كفة المجتمع على الأمة ، ونجد هذه المفاضلة قائمة عنده في مسألة اللغة ، فاللغة ترتبط بالأمة والمجتمع كليهما ولكن ارتباطها بالمجتمع أشد وأقوى ، لذلك يحاول الأشرف أن ينظر لتقبل اللغة الفرنسية في الجزائر كلغة فرضها الواقع  - أي المجتمع – بينما تبقى اللغة المرتبطة بالأمة – اللغة العربية – بعيدة عن تحقيق متطلبات الانسان الجزائري نحو التقدم بسبب تأثرها بطبيعة العلاقة بين الغالب والمغلوب بعد الغزو الاستعماري .

وإلى جانب هذين التيارين نجد تيارا آخر له حضور في قلب الصراع الدائر حول الثقافة الوطنية في الجزائر ، وهو تيار أسس رؤيته على ضرورة الاعتراف بالأمازيغية لغة وتاريخا ، وقد حاول هذا التيار أن يكرس رؤيته للشخصية الجزائرية قبيل الثورة باعتبار أن لها مميزاتها الخاصة التي تميزها بدلا من إصرار بعض أجنحة الحركة الوطنية على إلحاقها بالوطن العربي .

وقد عادت القضية الأمازيغية إلى الحضور بعد الاستقلال بعدما خبت خلال الثورة لأولوية الاتحاد في الكفاح ، فبرزت بعض الدعوات إلى رفض التعريب الذي باشرته الدولة خلال السبعينات ، وراحت هذه الدعوات تزداد تأججا في الحالات التي يبدو فيها تجاهل الدولة لهذا التيار أو استبعاده ، لقد رأى أنصار هذا التيار مثلا أن الدولة تعمدت إعلان انطلاق تظاهرة " الجزائر عاصمة الثقافة العربية " لعام 2007 في الثاني عشر من جانفي والذي يصادف الفاتح من يناير وهو رأس السنة الأمازيغية ، فكانت ثمة دعوة للتظاهر تجسدت كما ذكرت جريدة الشروق في عددها ليوم 10/01/2007 في خروج طلبة من من جامعة بجاية للتظاهر وهم يرفعون شعارا لكاتب ياسين " إن كنا أمازيغ فلم نعرب ؟ وإن كنا عربا فما الفائدة من تعريبنا ؟"

لقد شكلت الثقافة والهوية في الجزائر قضية خلاف وجدل كبير ، لذلك حاول بعض المفكرين احتواء هذا الخلاف من خلال " رؤية وسط" تحاول التوفيق بين جميع العناصر المختلف فيها ، فنجد الدكتور عبد الغني مغربي في كتابه « la culture algérienne de Masinissa à nos jours » يدعوا إلى ضرورة فهم الثقافة الجزائرية في سياقها الكلي المتفاعل ودون إقصاء لعنصر من العناصر ، كنا نجد هذه النظرة التوليفية لدى الدكتور علي الكنز في كتابه " حول الأزمة " حيث يرى أن الثقافة الوطنية تجمع بين العروبة والإسلام والشيوعية والعلمانية كما تجمع بين التقليد والعصرنة ، وبهذا لا يرى الكنز أي تعارض بين العناصر المتقابلة التي تشكل مفهومه للثقافة الوطنية  ، فالثقافة الوطنية من هذا المنظور لا تتقوقع على عناصر بعينها ولكنها تشمل كل العقائد والممارسات التي تتم داخل  المجتمع بصرف النظر عن مصدرها أصيلا كان أم دخيلا .

غير أن هذا التأليف الذي ألفه علي الكنز يرفضه بعض المفكرين باعتباره تأليفا يؤول إلى ترجيح الكفة لصالح بعض العناصر على عناصر أخرى ، فعنصر " العلمانية " غير متكافئ مع عنصر " الإسلامية " لأن السلطة  ( بمعناها العام ) في الواقع محتكرة من قبل الاتجاه العلماني ، لذلك فإن تواجد عنصر

" الإسلامية "  " و " العروبة " إنما هو تواجد شكلي يؤول بهذه الرؤية التوليفية إلى أن تصب في نفس رؤية " الحداثيين " .

وفي هذا السياق يأتي رفض الدكتور محمد العربي ولد خليفة لإدراج بعض العناصر كمكونات للثقافة والهوية الوطنية على غرار العلمانية والشيوعية في كتابه " المسألة الثقافية وقضايا اللسان والهوية " حيث يرى أن استخدام مثل هذه المصطلحات إنما هو دليل على تأثر النخبة الجزائرية بالنموذج الفرنسي والتي راحت بعض تنظيماتها وأفرادها تعمل على ما سماه " هدم المركز " أي إضعاف الجانب الروحي للأمة من خلال اعتبارها لديباجة الدستور التي تنص على أن الإسلام دين الدولة واللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية سببا رئيسا للعنف والتطرف .

ويبدوا أخيرا أن الحديث عن الثقافة والهوية  في الجزائر يطرح ويعالج بنظرة أيديولوجية خالصة ، وإن كان ذلك لدى الاتجاه الذي يدعوا إلى  التوفيق بين الاتجاهات المتصارعة ، لأن العناصر الثقافية المختلفة ليست منفصلة – بأية حال من الأحوال – عن الفاعلين الاجتماعيين داخل  المجتمع ، فالعنصر الذي يرتبط بالجماعات القوية والمسيطرة اجتماعيا وسياسيا يكون مسيطرا من الناحية الرمزية والفعلية إذا اقترن بعنصر آخر يرتبط بجماعات بعيدة عن السلطة وليس لها نفوذ واضح ، وتلك حال ثنائيتي " علمانية – إسلامية " أو " تعريب – فرنسة " ، وليس أدل على هذا مما خلفته قضية التعريب من جدل حيث طرحت بعض الرؤى لمشكلة الانتقال السلس من الفرنسة إلى التعريب منها الدعوة إلى الاهتمام بالعربية الشعبية ، والدفاع عن الازدواجية اللغوية " فرنسية – عربية " ، لكنها رؤى ملغمة وتستهدف – كما يذكر الدكتور جمال لعبيدي -  الحفاظ على المصالح الاجتماعية للإطارات المفرنسة المتحكمة في زمام الأوضاع ، والتي هالها أن تضيع منها الامتيازات الكثيرة التي حصلت عليها من خلال معرفتها باللغة الفرنسية ، فاللغة الشعبية أو حتى اللغة العربية لا يمكنها أن تكون منافسا للغة الفرنسية في سياق اجتماعي يقر بتخلف اللغة العربية نتيجة تخلف واقعها ، مثلما لا يمكن لمزيج من الكلام  في صورة اللغة الشعبية أن يكون منافسا للغة لها أصول وأسس ، وتتصل بواقع متطور . 

نشر المقال بجريدة القدس العربي يوم 24/02/2014  عدد 7674 .
الرابط /  http://www.alquds.co.uk/?p=136716