الجمعة، 5 يونيو 2020

أستاذ الجامعة وإشاعة روح النقد لدى الطالب


سفيان ميمون



ثمة رأي سائد لدى بعض طلبة  الجامعة  حول تقاعس الأستاذ في إشاعة روح النقد لدى الطالب باعتبار ذلك أحد الآليات المهمة في بناء عقل الطالب وإكسابه تكوينا سليما ، و قد يبدو ذلك فعلا في مختلف أشكال التعصب و عدم تقبل الرأي الآخر خلال المناقشات المختلفة أثناء حصص الدروس و خارجها، فنظرة الأستاذ إلى ذاته كثيرا ما تصنع طريقة تعامله مع الآخرين في مجال النقاش، حيث ينصب بعض الأساتذة أنفسهم في مرتبة عالية باعتبار الشهادة التي تحصلوا عليها و دونهم الآخرون، لذلك كثيرا ما يجد الطالب نفسه خائفا من مناقشة الأستاذ الذي يغلق أبواب النقاش، بل و يسفه آراء الطالب، بما لا يسمح لهذا الأخير باكتساب الثقة في ذاته، ناهيك عن اكتسابه لفكر نقدي يستطيع من خلاله المجادلة في الموضوعات المختلفة.
و لعله من السهل علينا أن نلاحظ أن بعض الأساتذة ذوو تفكير تقليدي ، وهم يؤكدون من خلال ذلك على قيم الامتثال و الطاعة، فرغم أن بعضهم يؤكدون على وجوب تكوين عقل نقدي على مستوى الخطاب، تجدهم يعارضون ذلك على مستوى الممارسة، و يبدو ذلك من خلال بعض السلوكات مثل تفضيلهم لأن تعاد إليهم بضاعتهم خلال الامتحانات، و عدم قبول الرأي الآخر خلال المناقشات و هلم جرا..، قد يكون تأكيد بعض الأساتذة و دعوتهم إلى بناء تفكير نقدي من خلال خطاباتهم المختلفة محاولة لتأكيد ذاتهم وحشر أنفسهم مع الصفوة ، من خلال مسايرة الخطاب المعاصر الداعي إلى استخدام العقل و الارتكاز في تحليل القضايا المختلفة على أساليب الحوار و النقد، غير أن التواصل مع هؤلاء الأساتذة يكشف عن انكماشهم و عدم جديتهم في فتح أبواب النقد و النقاش، و سبب ذلك هو إما انخراط الأستاذ في منظومة تقليدية كرست لديه منطق "الشيخ و المريد"، أو نتيجة عدم قدرته على المواجهة باعتبار ضعف الزاد المعرفي الذي يملكه، و هشاشة قاعدته النقدية، لذلك و خوفا من التعرية يلجأ إلى الاحتماء بهذه المنظومة التقليدية، على مستوى الممارسة مع مد بعض الخيوط التي تبرزه كأستاذ متفتح على الرأي و الرأي الآخر.
بالإضافة إلى هذا فإن انغلاق الأستاذ يوفر له حسب بعض أنواع التصورات السائدة مكانة اجتماعية لائقة من خلال عمليات إخفاء الجوهر الثقافي و الظهور بمظهر التعالي و النخبوية التي وفرتها له شهادته العليا، فهذه الشهادة هي أداة لتحصيل مكانة اجتماعية مرموقة، و هي بالإضافة إلى ذلك أداة لتحصيل سلطة تكون مطية لهذه المكانة و لمصالح أخرى رمزية أو مادية، فعمل الأستاذ على إيهام الآخريــــن بأنـــه يمتلــك رأسمـــال ثقافـــي دون الإفصــــاح عن جوهـــــره و دون إنـــــزال هذا الرأسمال من عليائه و تعريته للآخرين، يمكن الأستاذ من الظفر بمصالح مختلفة في مختلف الحقول الاجتماعية.
و في هذا السياق يمكن أن تطرح قضية الأستاذ المثقف الذي يفتح أبواب الجدال و النقد حول القضايا المجتمعية و الفكرية المختلفة مقابل الأستاذ الموظف الذي يمارس مهنته كباقي المهن الأخرى و التي ترتكز على عملية تلقين المعارف الجاهزة للطلبة دون فتح للنقاش حول هذه المعارف و مقاربتها بالواقع ، فكثير من الأساتذة لم يعد يعنيهم الحوار النقدي إما بسبب تكوينهم الضعيف، أو بسب وضعهم الاجتماعي و عدم قدرتهم على تحقيق طموحاتهم المادية و غير المادية مما آل بهم إلى الركون إلى تلقين الطالب لمعارف جاهزة مثلما يلقن الطفل الصغير في المدارس الابتدائية، و عدم تقبل الرأي الآخر لأن ذلك يزعجه و يتعبه في آن، و بالإضافة إلى هذا فإن الأستاذ يركن إلى الكسل و العمل بمنطق "خذ البضاعة ثم أعدها" تبعا لوضعية الطالب و استعداده للعمل، فكثيرا ما اشتكى الأساتذة من عدم جاهزية الطالب و استعداده للعمل ، لذلك يجد الأستاذ نفسه مجبرا على تسيير الوضع بمنطق الموظف الذي يلقن الدروس و لا ينتظر نقاشا، بل لا يعنيه أحيانا إن كانت الدروس التي لقنها قد تم استيعابها أم لا، فالطالب أصبح عقبة للدخول في جو نقدي و إثارة النقاش حول القضايا المختلفة، و لا عجب أن نجد طلابا نائمين داخل القسم - نائمين فعلا وليس مجازا - ما يعبر عن عدم اهتمام بالمادة المعرفية المقدمة، فالحضور هو فقط لضمان عدم الإقصاء و مواصلة المسيرة نحو الشهادة كمراد مادي ليس أكثر.
و في مقابل هذا نجد عددا معتبرا من الأساتذة و رغم طبيعة الوضع الاجتماعي و الدراسي، و رغم طبيعة وضعهم الخاص يسعون إلى إثارة روح النقد بين الطلبة حرصا منهم على التفتح العقلي الذي يساعد في تنمية الشخصية العلمية للطالب، فالطالب يحتاج إلى نقاشات وجدالات نقدية مثلما يحتاج إلى كتابات معمقة ذات صبغة نقدية ، فمن خلال ممارستنا الميدانية للتعليم لاحظنا أن كثيرا من الطلبة الذين يحاولون العمل و يداومون على حضور الدروس و المحاضرات يجدون صعوبة في الإجابة على الأسئلة المفتوحة خلال الامتحانات، و قد بدا أن المشكل يكمن في ضعف و غياب الحس النقدي لدى الطالب، إذ أن الطالب لم يتدرب على كيفية مناقشة القضايا المعرفية و الفكرية المطروحة، و بالقدر نفسه فإنه يفتقد للقراءات الفكرية و النقدية المعمقة التي تسمح بتفتح عقله من خلال إكسابه بعض آليات النقد و التحليل، فالطالب يتداول فقط المراجع ذات الكتابات السطحية غير المعمقة التي تمليها عليه حاجته لإعداد بحث بسيط طلبه الأستاذ، لذلك بقي الطالب على هذه الحال ذا تفكير سطحي بسيط فأصابه العجز عن مناقشة القضايا المعرفية و الفكرية بكيفية نقدية معمقة، فإذا كان هذا هو حال الطالب فإن ذلك أيضا سينعكس سلبا على الأستاذ الذي يصاب بخيبة و إحباط عندما لا يجد من يسايره في نقاش هذه القضايا خلال حصص الدروس و المحاضرات، بما يجعله يركن إلى طريقة التلقين التقليدي.

منشور بموقع الحوار المتمدن يوم 5/6/2020 عدد 6584

الأربعاء، 13 مايو 2020

كورونا والإبداع

سفيان ميمون


       خلف وباء كورونا خرابا كبيرا بحصده لأرواح عدد كبير من البشر ، إنها كارثة إنسانية كل المقاييس ، ورغم كونها كذلك فإن هذا الوباء سلمنا لكثير من الأمور الإيجابية خاصة ما تعلق منها بصور التضامن المختلفة على المستوى الطبي أو الاقتصادي ، فقد هبت دول لمساعدة دول أخرى  ووضعت بعض الدول خبرتها في يد دول أخرى ، رغم بعض صور الجشع والأنانية التي صدرت عن بعض الدول الغربية بقرصنتها لشحنات للمواد الطبية في عرض البحر، ذلك ما نجد له تفسيرا في الضغط الكبير الذي أحاط بهذه الدول جراء الوباء المتسارع كالنار في الهشيم ، بما خلق نوعا من الأنانية لدى هذه الدول جعلها تبحث عن الخلاص بأية طريقة ، ناهيك عن الأنانية المترسبة أساسا لدى الدول الغربية ومجتمعاتها كنتيجة للنظام العالمي السائد ، نظام العولمة الذي جسد الشيئية  والمصلحة الذاتية لدى الفرد الغربي ودولته بشكل يدعو للقلق على إنسانية الإنسان ، ولعل هذا الوباء ذاته هو تجسيد صريح لتلك المادية القاتلة التي أجهزت على الإنسان وجعلت الأفراد في يد تجار الدواء ومهندسي الإستراتيجيات الاقتصادية للدول المتقدمة .
لقد كانت صور التضامن أيضا واضحة في المجتمع الجزائري كغيره من المجتمعات الأخرى ، وقد لاحظنا ذلك في تلك المساعدات الطبية والغذائية التي حشدت في قوافل نحو مدينة البليدة التي وضعت تحت الحجر الكلي ، وفي المساكن والفنادق التي تم إخلاؤها لتوضع تحت تصرف الطواقم الطبية التي لها اتصال بمرضى كورونا لتجنب نقل العدوى لأهاليهم،  وفي إعداد وجبات ساخنة لهؤلاء وهلم جرا..
غير أن الذي يدعوا للتأمل أكثر هو تلك الإبداعات والابتكارات التي أنجزها شباب متعلم وتكفلت بها كفاءات لم نكن نسمع لها صوتا من ذي قبل ، كفاءات من حقول شتى تضافرت جهودها فأثمرت إبداعا كان محل كفر من أفراد المجتمع ومن مؤسسات الدولة كليهما، وإلا كيف نفسر التهميش الذي يلاقيه الشباب المتعلم يوميا وفقدان الثقة في النفس والضجر والتذمر الذي أصبح يحيط بهؤلاء الشباب ، صور عديدة للاغتراب أصبح عليها هذا الشباب ، غير أن أزمة كورونا ساهمت في الكشف عن  قدرا ت هؤلاء الشباب  وبيان بعض معالم أزمة الإبداع والابتكار ، لقد بينت أزمة كورونا بوضوح أن اغتراب الشباب المتعلم عن حقه في الإبداع إنما هو راجع في الأصل إلى ما يحيط بهم من ظروف ساهمت بشكل أو بآخر في تشكيل شخصيات بائسة لا يمثل الإبداع  لديها مقصدا مقدسا ، ببساطة لأن روح الإبداع خنقت فيه ، يفتقد شبابنا للتشجيع ولتثمين ما يمكن أن يقوموا به من جهد ولو كان ذلك بشكل معنوي يحس من خلاله الشاب المبدع بذاته المبدعة ، يحس بمكانته وبتميزه الذي دأب على بنائه منذ الصغر، هذا التميز الذي لم تكتمل معالمه للأسف لدى كثير من الشباب الذي أصبح يرى ذاته متميزا فعلا ولكن من خلال ما طاله من تهميش وإقصاء .
بينت أزمة كورونا أن الشباب  المتعلم الذي كان في الهامش أصبح لاعبا محوريا ، وأصبحنا نرى كفاءات لم نكن نراها من قبل ، في مجال الطب خاصة حيث الخطب هو خطب صحي بالدرجة الأولى من خلال أجهزة للتنفس الصناعي وأجهزة للوقاية وهلم جرا ، وفي مجالات العلوم التقنية المختلفة وبخاصة في مجال الإعلام الآلي من خلال بعض الأجهزة التي تسهل تداول المعلومات الخاصة بالوباء ، بل وفي مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية من خلال بعض التحليلات المكتوبة والمسموعة والمصورة التي تحاول رصد الآثار النفسية والاجتماعية للمرض .
رغم الضرر الجسيم الذي خلفه وباء كورونا إلا أنه جاء حاملا رسالة مفتوحة للمجتمع والدولة معا ، رسالة كتبت حروفها بخط غليظ أن يا أيها المسؤولون ويا أيها الناس ثقوا في شبابكم المتعلم ، ثقوا في كفاءاتكم ، وامنحوهم الثقة أيضا ، فهم ومن غير ثقة كمن يملك أداة الرماية غير أنه يفتقد للتدريب الذي يسمح له بالرمي ، هذا الذي يحتاجه هؤلاء الشباب المتعلمون بعد أن تنجلي الجائحة ، هذه الجائحة التي كشفت عن جائحة أكبر وأخطر على المستوى الاجتماعي ، فلعل الجائحة الجسدية إيذان بانقضاء الجائحة الاجتماعية التي رمت بالكفاءات بعيدا وقربت من لا يعدو إبداعه مجرد صراخ وتمايل ، من خلال إنزال هذه الكفاءات منزلتها الحقة ودعمها بوسائل وإمكانيات العمل وتشجيعها لكي تبدع وتكون في الوقت نفسه قدوة لمبدعين آخرين قادمين .
نسوق هذا الكلام لأن الواقع يدلنا على ذهنيات ترسبت في المجتمع ، بل وتكلست فأصبح من الصعب زحزحتها ، فليس من الصعب أن تعثر على معلم في الصف مثلا يوصي طلبته بأن لا يكونوا مثله معلمين أو أساتذة ، أو أن تتلمس في خطاب رجل مثقف -حتى لا نتحدث عن عامة الناس- إعلاءه لصاحب صنعة أو رجل أعمال ، وبالمقابل لا ينال الذي يشتغل في مجال العلم الشيء الكثير من تقدريه ، في واقعنا أيضا ينال الفنان ولاعب الكرة  الشأن الأكبر في تقدير أفراد المجتمع لكن المتعلم الذي يمكن له أن يبتكر لا شأن له ، والابتكار طبعا ليس ابتكارا ماديا فحسب ، لا يمكن الحديث فقط عن الابتكار الملموس ، بل أيضا عن ابتكار وإنشاء المعاني والأفكار ، على أن الفصل بين المادي والفكري غير وارد بالمرة على اعتبار أن أي اختراع مادي مسبوق دون شك بفكرة ، هذا أمر بديهي لكن ليس هذا هو القصد ، بل القصد أن الابتكار أيضا يكون في المجالات التي تتخذ من المعاني والأفكار عملة التداول الأساسية ، مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية والدراسات الثقافية والفلسفية والأدبية وغير ذلك .
الاهتمام بالطاقات البشرية على المستويين اليدوي والفكري وبخاصة على المستوى الفكري هو رهان أساسي في سبيل التنمية دلنا عليه وباء كورونا ، وأرشدتنا إليه الحاجة للدفاع عن أجسادنا التي يهددها الفيروس ، هذه الطاقات التي خرج الكثير منها من الجحر الذي ضمها لسنين ، آن لنا اليوم أن نثق في هذه الطاقات وننزلها المنزلة التي تستحقها ، آن لنا أن نكف عن احتقار ذاتنا وتهميش بعضنا بعضا وأن نأخذ العبرة من هؤلاء المبدعين الذين خرجوا من تحت الأرض حيث حجر على عقولهم وهممهم لعقود طويلة بدوافع لا يمكن حصرها في بضعة سطور، فقد تداخل فيها السياسي بالاجتماعي وتحالف فيها الاقتصادي مع النفسي ، لقد آن لنا اليوم أن نشخص ذاتنا الإنسانية في القيم التي نتداولها وفي الأفكار التي نطرحها وفي التصورات التي نرى من خلالها ذاتنا والآخرين ..، لنمضي بعد ذلك في سبيل التغيير ، هذا التغيير الذي لا يجب أن تكون بدايته إلا من الذات فقد اتخذ هذا قاعدة في فلسفة التغيير لدى كثير من المفكرين ، ذلك ما نجده عند مالك بن نبي الذي يجعل من الأية الكريمة " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " منطلقا هاما للتغيير ، والذي يجعل من الإنسان بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان متصلة بالأفكار والقيم والمعايير والسلوك وغير ذلك  مناط كل تغيير ، آن لنا أيضا أن نخرج من دائرة الاتهام المتبادل بالتخلف وضعف المستوى والتهكم الذي يكيله بعضنا لبعض والذي أصاب ذاتنا بالكبر وتسفيه كل فكرة أو رأي ، بل علينا على أن نرجع إلى ذاتنا فنحدد مستوانا بكيفية موضوعية ونرصد مالنا من إمكانات بشرية ومادية لنرسم بعدها الخطط اللازمة للإقلاع ، فكل نهضة قائمة لا محالة من الذات لا من غيرها ، وهنا نستحضر رأي الجابري في مسألة النهضة حيث يرى أنه يستوجب علينا إذا أردنا أن ننهض الرجوع إلى ذاتنا وتحديد مكاننا من التقدم والتخلف لننطلق منه في النهضة والتطور ، أي أن العمل يكون على مستوى الذات لا خارجها ، هذا يدعونا للعودة إلى الطاقات المختلفة التي أثبتت جدارتها خلال أزمة كورونا وإعادة تفعليها بالاهتمام والثقة والتشجيع.....

نشر في الحوار المتمدن يوم 13/05/2020 عدد 6563 


السبت، 29 فبراير 2020

السوسيولوجي والطقس الديني


سفيان ميمون

من حق رجل الدين أن يخوض في الطقس الديني فيعمل على توصيفه وبيان ما هو مقبول وما هو مرفوض وفقا للمبادئ الدينية لدين معين ، ومن حق رجل الدين أيضا أن يعمل على توجيه السلوكات الدينية  فذلك عمله، حيث يعمل رجل الدين في مجال الدعوة فيكون سبيله أن يدعو الناس لفعل على حساب فعل آخر ويوجههم لسلوك ويحذر هم من سلوك آخر ، غير أن  مجال اشتغال السوسيولوجي يمنعه من  تقديم الأحكام الجاهزة وتقمص دور رجل الدين من خلال إبداء الرأي حول الطقس الديني بتحريمه والقول بمخالفته للعقيدة الدينية، ببساطة لأن السوسيولوجي له منطق آخر يختلف عن منطق رجل الدين ، السوسيولوجي هو الذي يشتغل على الطقس الديني باعتباره فعلا اجتماعيا له أسبابه وله سياقاته الاجتماعية والثقافية ، وله خلفياته الأيديولوجية والسياسية ، على السوسيولوجي أن يرجع إليها محاولا فهمها بالرجوع إلى الأدوات المنهجية والأطر النظرية التي طورت في حقل علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية عامة .
لا يمكن أن يطلب من السوسيولوجي بأن يتنصل من عقيدته الدينية أو أن يطلب منه ألا يدافع عما يعتقد وألا يعبر عن عاطفته الدينية ، كلا فهذا حقه كمواطن ، وهو كذلك – أي كمواطن – له كامل الحرية في التعبير عن عاطفته الدينية وعن آراءه ومواقفه ، ولكن الأمر مختلف تماما باعتباره مختصا في مجال علم الاجتماع ، لأنه وهو على هذا الوصف مقيد بما يقرره هذا التخصص من مبادئ علمية ولعل أهم هذه المبادئ أن يحاول تحليل الظاهرة دون أن تحتويه الظاهرة محل الدراسة، أي أن يحاول التحرر من قبضة الظاهرة قدر المستطاع ذلك الذي وسمه دوركايم ب" شيئية الظاهرة الاجتماعية " ودعا خلاله إلى إبعاد الأحكام المسبقة خلال عملية التحليل ، وذلك أيضا مادعت إليه المدرسة النقدية بزعامة ماكس فيبر ، فالأحكام المسبقة غير مستساغة في مجال علم الاجتماع وإن كانت المدرسة النقدية قد أعادت الاعتبار إلى الذات غير أن هذه الذات تقدم نفسها فقط كأساس لفهم الفعل والسلوك الإنساني من خلال عوامل الخبرة والقيم والمعارف التي تترسخ لدى السوسيولوجي .
يتناسى بعض المشتغلين في حقل السوسيولوجيا دورهم في نقد الفعل الديني باعتباره فعلا اجتماعيا وينساقون بدافع العاطفة الدينية إلى إبداء رأيهم في بعض الطقوس الدينية من حيث كونها فعلا شركيا يتنافى وعقيدة التوحيد مع الدعوة لمحاربة الظاهرة ، بما يقربهم من خطباء المساجد الذين ينتجون الخطاب ذاته بما يلغي الحواجز التي تفصل بين الداعية والمشتغل في حقل علم الاجتماع ، ولعل أوضح مثال على هذا تناغم خطاب رجال الدين وخطاب بعض السوسيولوجيين حول ظاهرة " أنزار".
" أنزار" في التراث الأمازيغي هو إله المطر ، وفي الحالات التي يقل فيها المطر تلجأ النسوة في القرى الأمازيغية إلى الإستغاثة ب" أنزار " طالبين الغيث من خلال رفع قصعة من السميد وبها ملعقة كبيرة  في ساحات القرى والمداشر ، لا شك أن هذا الطقس من الناحية الدينية هو طقس شركي لأنه يخالف عقيدة التوحيد ، وقد اختفى هذا الطقس أو قلت ممارسته كنتيجة للوعي الثقافي وللقناعة الدينية التي تستند إلى ما يقره الدين الإسلامي من أن الاستغاثة لا تكون إلا من الله وأن طلب الغيث يمكن أن يكون من خلال أداء صلاة الاستسقاء لدى المسلمين.
إن السوسيولوجي وبدل أن يغرق في تشنيع الفعل وتحريمه باعتباره مخالفا للعقيدة الدينية عليه أن يرجع لما يمليه عليه دوره باعتباره باحثا في حقل السوسيولوجيا ، عليه أن يطرح تساؤلات حول عودة هذا الطقس الديني ، وحول الفاعلين  الظاهرين والمستترين  ، المباشرين وغير المباشرين الذين يعملون على إنتاج وتوجيه هذا الفعل ، عليه أن يطرح تساؤلات حول رمزية الفعل وحول وعي وقناعات الفاعلين وخلفياتهم الاجتماعية والثقافية ومستواهم الدراسي ، تساؤلات حول مصدر الفعل وهل هو عفوي أم موجه ، وعن الغرض من عودة هذا الطقس في مثل هذا الوقت بالذات .
هكذا وبهذه الطريقة ، ومن خلال سعي السوسيولوجي إلى الإجابة على مثل هذه الأسئلة يكون متميزا عن الداعية وعن رجل الدين  ويكون أقرب وأوفى للحقل الذي ينتمي إليه ، غير أن هذا لا يعني أن رجل الدين أكثر خدمة للدين من السوسيولوجي ، أي أن السوسيولوجي يبتعد عن الدين بقدر ممارسته للتحليل السوسيولوجي بل إن السوسيولوجي لا يقل شأنا في خدمة الدين من رجل الدين نفسه ، ولكنه يختلف عنه فقط في طريقة خدمته للدين .
يكون السوسيولوجي خادما للدين شأنه شأن رجل الدين من خلال محاولته الإجابة على التساؤلات التي يطرحها الفعل في الواقع ، بل إن السوسيولوجي يتجاوز رجل الدين في بعض المواضع خاصة عند الكشف عن الواقع الفعلي للممارسات الإنسانية والولوج إلى عمق العلاقات بين الأفراد والخلفيات الفكرية والعقدية التي تحكم أفعالهم وممارساتهم .

نشر في الحوار المتمدن يوم 1/3/2020 عدد 6503
الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=667183

الأحد، 9 فبراير 2020

التعدد الثقافي والديمقراطية

سفيان ميمون

يتحدث الكثير عن التعدد الثقافي باعتباره سبيلا نحو الديمقراطية وتحقيق التقارب بين الشعوب ذلك الذي صبت فيه مداخلة الدكتور مصطفى كمال شان رئيس قسم علم الاجتماع بجامعة سكاريا التركية الذي حل ضيفا على جامعة جيجل الجزائرية ، نعم يمكن للتعدد الثقافي أن يحقق ذلك لكن ذلك مشروط بالعديد من الاعتبارات المتصلة بطبيعة الاتصال بين الثقافات المختلفة ، فلا يمكن الحديث عن التعدد الثقافي كمدخل للديمقراطية طالما كان محكوما بالنزعة العنصرية والاستعلائية بين " الجماعات الثقافية" ، نقول الجماعات الثقافية لأن الثقافة هي مجرد أداة في يد  الجماعات التي تستخدمها في التسلط والهيمنة ، ولطالما كرر علماء الاجتماع أنه لا ثقافة مسيطرة في ذاتها ولكن  الثقافة المسيطرة هي ثقافة الجماعات المسيطرة  ، ومن الأمثلة على ذلك مسألة المهاجرين  الجزائريين في فرنسا الذين ينتظمون في ثقافة خاصة تختلف عن الثقافة الفرنسية التي تشكلت في إطار التاريخ والجغرافيا الفرنسية ، ذلك ما يشكل تعددا ثقافيا حقيقيا ، غير أن هذا التعدد لا يمكن له أن يكون خادما لديمقراطية حقيقية ولتقارب فعلي بفعل طبيعة العلاقات التي تحكم هذه الثقافات المتباينة في مرجعياتها وممارساتها أو بالأحرى بين الجماعات التي تستبطن هذه الثقافات وتستعملها ، ما يوضح هذا أكثر مسألة اندماج الجزائريين بخلفيتهم الثقافية الدينية والقومية والتاريخية والتي تشهد صراعا واضحا من حيث سعي المجتمع الفرنسي لإدماج هؤلاء المهاجرين من الناحية الثقافية لكن هذا الإدماج هو إدماج على المقاس ، هذا الذي يهدم مسألة الاعتراف بالتعدد وقبول الآخرين على هيئتهم الأولى ، فالإدماج  من الناحية الثقافية يعني فيما يعنيه إعادة إنتاج الذات لدى الآخر وهو نفي واضح له .
يشكل التعدد من خلال نزعة الاحتواء والهيمنة نفيا لهذا التعدد ذاته بما يشكل نفيا للديمقراطية وللتقارب الثقافي بين الجماعات ، ذلك ما نلاحظه أيضا من خلال التلاعب ببعض المفاهيم " الدالة على الديمقراطية " مثل مفهوم العلمانية الذي طور بالشكل الذي يمكن له أن يبرر الإقصاء الثقافي والاجتماعي أحيانا لدى الجماعات القوية والتي تنتج خطاب " التعدد الثقافي في صالح الديمقراطية " دونما إيمان وتجسيد لهذا الخطاب.
تشير العلمانية بالمعنى السياسي إلى فصل الدين عن الدولة  أي ضرورة تسيير الدين لشأنه دون تدخل الدولة وتسيير الدولة لشأنها دون تدخل الدين هذا الذي يحيلنا على أحد الأسس التي قامت عليها العلمانية خلال العصور الوسطى في أوروبا إلى المبدأ المسيحي بالضبط الذي يقول " أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " ، غير أن  للواقع الثقافي والسياسي دوره في تحوير مفهوم العلمانية وإنتاج معان جديدة تتماشى ومصلحة الجماعات السياسية المسيطرة ، فخلال الجدال الذي دار حول تدخل الدولة الفرنسية لمنع الحجاب في المدارس واتهام هذه الدولة بنقضها لأحد أهم المبادئ التي تقوم عليها وهو مفهوم العلمانية ، انبرى كثير من "المثقفين العضويين " لتقديم عملية منع الحجاب عنوانا عن العلمانية وليس نفيا لها ذلك أن الدولة الفرنسية جسدت المفهوم الحقيقي للعلمانية من خلال قيامها بفصل الدين ممثلا في هذه الصور والرموز الدينية ومنها الحجاب عن الدولة بحيث لا يجب رؤية هذه الصور والرموز داخل مؤسسات الدولة .
وبالطبع لا يمكن النظر " لوظيفة الدولة الفرنسية " بفصل الدين عن الدولة إلا تدخلا للدولة في الدين والعمل على إقصائه وتحييده ، ما يعني بالضرورة إقصاء وتحييدا للثقافات الأخرى  التي تتشكل حول الدين داخل المجتمع الفرنسي ، وعلى هذا الأساس لا يمكن الحديث عن تعدد ثقافي مفض إلى الديمقراطية وهو مؤسس على علاقات صراعية بين الجماعات الثقافية المختلفة.
يفضي بنا هذا الكلام إلى أن التعدد الثقافي الذي يفتح الباب أمام ديمقراطية حقيقية هو التعدد القائم على الاحترام المتبادل بين الثقافات والمؤسس على علاقات ندية يجسد مبدأ التثاقف الحر القائم على الأخذ والعطاء من دون وصاية أو محاولة هيمنة جماعة على أخرى ، بمعنى أننا بحاجة إلى تعدد ثقافي حقيقي غير مزيف ولا مصنوع مثلما نراه في عالمنا اليوم .  
يبدو أننا اليوم بصدد تعدد ثقافي يتم صناعته من قبل الجماعات القوية ليس على مستوى الخطاب فحسب ولكن أيضا على مستوى الممارسة ، تعدد ثقافي غير حقيقي ، مزيف تماما مثلما يصنع المجتمع المدني بمنظماته وهيئاته في المجتمعات المتخلفة لتكون هذه المنظمات والهيئات التي تعبر عن مجتمع مدني مزيف وبالتالي عن ديمقراطية مزيفة بديلا عن المجتمع المدني الحقيقي القائم على معارضة ومراقبة السلطة ، ليصبح المجتمع المدني محل مراقبة من قبل السلطة بدل أن يكون مراقبا لها .  

نشر بموقع الحوار المتمدن يوم 07/02/2020 عدد 6485 

الأربعاء، 28 مارس 2018

العلوم الاجتماعية بين الميثودولوجيا والأيديولوجيا

سفيان ميمون

يناقض المنهج العلمي في الأدبيات العلمية الأيديولوجيا ، فالمنهج العلمي وفقا للعلوم الحديثة ، أي العلوم التي ظهرت في العصر الحديث :في مطلعه ( العلوم الطبيعية) وفي آخره ( العلوم الاجتماعية) يعتبر الأساس الذي يقوم عليه أي علم ، و تمثل الأيديولوجيا في هذا السياق وبخاصة في العلوم الاجتماعية اللاعلمي بامتيىاز ، لهذا نجد في حقل العلوم الاجتماعية منذ نشأتها خلال القرن التاسع عشر إلى اليوم سجالا حادا حول علمية العلوم الاجتماعية ، وقياس ذلك باستخدامها لمنهج علمي ، بل واستخدامها لمنهج علمي محدد .لقد استمدت العوم الاجتماعية شرعيتها من القطيعة التي أحدثتها مع الفلسفة وركوبها لمنهج علمي في صورة المنهج التجريبي الذي مثل الأساس لازدهار العلوم الطبيعية وازدهار الصناعة وتطور المدن في أوروبا ، هذا المنهج نفسه يتم استدعاؤه من قبل علماء المجتمع الأوائل ( سان سيمون ، كونت ، سبنسر..) ليكون دعامة وأساسا لنشأة العلوم الاجتماعية ، غير أن هذا المنهج نفسه ينطوي على موقف أيديولوجي متصل باستراتيجية الاتجاه المحافظ وموقفه المتحفظ من فلسفة التنوير.فبالقدر الذي أسس المنهج التجريبي للعلوم الاجتماعية فقد كان من جانب آخر أداة لتكييف الدراسات الاجتماعية وفق الرؤية المحافظة ، كما تمت الدعوىة إلى ماسمي ب" الموضوعية العلمية " كأساس منهجي في ممارسة العلوم الاجتماعية ، غير أن الأساس الذي قامت عليه هذه الموضوعية هو أساس أيديولوجي بامتياز متصل بالموقف من الدين والعقل ، وقد راحت العلمانية تتماهى في كثير من تفاصيلها مع "الموضوعية العلمية" ، بل لقد مثل إبعاد الدين وتحييده الموضوعية ذاتها في كثير من الدراسات الاجتماعية .وبالإضافة إلى قضية الدين فقد تعرضت العلوم الاجتماعية في ممارستها إلى " خيانة عظمى" خاصة من قبل الأنظمة الاستعمارية الحديثة ، فقد تم اسغلال العلوم الاجتماعية ومناهجها من أجل إخضاع الآخرين والسيطرة عليهم ، نتحدث هنا بشكل خاص عن السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا الاستعمارية التي عملت على تبرير احتلالها وبسط هيمنتها بدعوى " العقلنة" وتحرير الانسان المستعمر (بفتح الميم) من "الخرافة" إلى الحياة العصرية القائمة على " العلم" ، ويبدو ذلك خاصة في عمليات التزييف التي تعرض لها الواقع الاجتماعي والثقافي باسم العلم ، ومفارقات التعاطي مع الأحداث من قبل علماء المجتمع ، ونذكر هنا على سبيل المثال الكيفية التي تعاطى بها ماركس وصديقه أنجلز مع احتلال الجزائر من قبل الفرنسيين ،فالنظرة العامة لهذين المفكرين الذين كانا بصدد إعداد نظرية عامة حول جدل الطبقات تشير إلى أن وعي الطبقات المقهورة بوضعية القهر إنما هو أول بوادر التحرر وتغيير الوضع القائم ، غير أن نظرتهما للجماعات التي كانت تقاوم الغزو الاستعماري في الجزائر كان مختلفا تماما مع قناعتهما النظرية ، حيث رأى ماركس في استعمار الشمال الإفريقي عملا حضاريا ، كما رحب إنجلز بالغزو الفرنسي للجزائر ورأى فيه وسيلة هامة لتقدم الحضارة.ويمكن الحديث عن حضور الأيديولوجيا في العلوم الاجتماعية من خلال النزعة الشمولية للعلم التي نجدها لدى ممارسي هذه العلوم في الغرب ، هذه النزعة التي تشير إلى أن نظريات العلم ومناهجه التي أنتجت في الغرب يمكن تعميمها على باقي أقطار المعمورة ، فالغرب أصبح "نبيا" مبشرا بالحقيقة العلمية ،هذه الشرعية التي اكتسبها من خلال قوته الحضارية والتقنية ،على الرغم من أن العلوم الاجتماعية كثيرا ما ترتدي ثوب النسبية بما في ذلك ضرورة التحفظ عند اللجوء إلى التعميم ولو كان ذلك متصلا بالظواهر المتشابهة ، يقابل هذا نزعة أخرى نجدها لدى ممارسي العلوم الاجتماعية في البلدان العربية تتصل بمحاولة التعاطي مع المعطيات والوقائع بخلفية نظرية ومنهجية محلية يتم من خلالها استدعاء التراث المعرفي المحلي واستخدامه كخلفية تفسيرية ، يتجسد ذلك خاصة في استدعاء التراث العربي والإسلامي لدى البعض لغرض " تبيئة" تفسير الظواهر والأحداث ، أي أن هذه الأحداث والظواهر هي بنت بيئتها وعليه كان الواجب هو تفسيرها وفق نظريات ومناهج ولدت من رحم هذا السياق الذي أنتجها ،هذا الاختلاف ، بل الصراع في منطلقات التفسير يعبر عن صراع إيديولوجي بين نزعة الغرب للتسلط وبين ونزعة المقاومة التي يبديها ممارسو هذه العلوم في الشرق وبكيفية تصبح المعرفة والعلم خلالها واسطة أساسية في هذا الصراع ،مع أن هذا الصراع لا يتوقف عند هذين الحدين ( الشرق والغرب) ، بل إن الشرق نفسه يمكن أن ينشطر إلى شقين شق مقاوم لهذه " النزعة المتسلطة " وشق ثان مندمج ومتماه مع هذا الغرب في تصوره " الشمولي" و " المركزي" ، أي نظرته لمركزية المعرفة والعلم من حيث مصدرهما، وهنا يدخل الشرق في مواجهة ذاته ويتزحزح الصراع إلى دائرة الهوية .





الجزائر وأنثروبولوجيا الاستعمار


سفيان ميمون

لقد تزامنت نشأة الأنثروبولوجيا كعلم خلال القرن التاسع عشر مع موجة الاستعمار الغربي للبلاد الأخرى ، فقد جعل هذا التزامن من الأنثروبولوجيا حليفا حقيقيا للاستعمار الذي كان يبحث عن أراضي جديدة وثروات إضافية لتلبية الحاجات الصناعية في أوروبا ، فقد كان الاعتماد على تقنيات ووسائل الأنثروبولوجيا باديا لدى الإدارة الاستعمارية من خلال الاعتماد على وصف تركيبة الشعوب المستعمرة ونظمها الاجتماعية وثقافاتها ... ، كما كانت هذه العمليات تتم من قبل ضباط الجيوش الاستعمارية الذين كانوا في الواجهة ، مما مكنهم من إعداد التقارير حول الخصائص التي تميز الشعوب وحول طبيعة البيئات التي تسكنها ، وكل هذا من أجل التمهيد الثقافي والفكري للغزو العسكري أو للمحافظة على بقاء واستمرار النظام الاستعماري .لقد خضع المجتمع الجزائري خلال الفترة الاستعمارية إلى الوصف والدراسة وكانت طبيعة الجزائري وسلوكه ولغته ودينه وطريقة عيشه وتركيبته العرقية ووضعية المرأة...محلا للوصف والتنظير ، وقد ارتبطت عمليات الوصف والتنظير هذه بالمصلحة الاستعمارية أكثر من ارتباطها بالموضوعية التي يتطلبها العلم ، ذلك أن الاستعمار الفرنسي لم يكن ينوي اكتشاف خصائص الجزائري لذاتها ولكن من أجل السيطرة وبسط الهيمنة وإدامة بقاء النظام الاستعماري .وفي خضم عمليات الوصف تم رمي المجتمع والفرد الجزائري بالتوحش ،وأن الجزائري من جنس همجي وهو يتميز بالبدائية مما يقتضي تطويره عن طريق تلقينه ثقافة المستعمر ، وهذا ما دعا إلى الرجوع إلى الدين وتقديمه كعامل أساسي في تخلف المجتمع ، بالإضافة إلى الجمعيات الأهلية والدينية التي عمل الاستعمار على فهم دورها في تنظيم شؤون المجتمع ثم تحويل هذا الدور إلى خدمة مصالحه الاستعمارية ، كما تم التركيز أيضا على المرأة كدعامة أساسية في المجتمع الجزائري ووصف حالها واعتبارها في مكانة أقل من الرجل ، ورميها بأحكام مليئة بالسخرية ، لقد شكلت ذهنية الجزائري حسب كثير من الباحثين الفرنسيين عائقا أمام تدجينه وحمله على الانصياع ، لذلك تم الاتجاه إلى محاولة إزالة توحش هذا الجزائري عن طريق التعليم وفق النموذج الفرنسي.بناء على هذا تم تقسيم المجتمع الجزائري إلى ثنائيات من أجل التفريق وتأليب بعضها على البعض الآخر كثنائية عرب- بربر مثلا، وقد كانت ثنائية عرب –بربر الوتر الأساسي الذي استخدمه منظرو الاستعمار من خلال خلق ماسمي ب "الأسطورة القبائلية " التي تعتبر حسب "فيليب لوكا " و" جون كلود فاتان " في كتابهما – جزائر الأنثروبولوجيين- " ابتداعا غير عقلاني قائمة على استدلالات علماء مزيفين وهادفة إلى احتواء سياسي واقتصادي "، فمن خلال التنظير لأصل البربر واختلافه عن أصل العرب والتركيز على الاختلافات في الطباع والملامح الجسمية حاول منظرو الاستعمار في البداية الاستعانة بالقبائل من خلال تمجيد هذا العرق ، لكن الصورة تغيرت باستقرار المعمرين على الأرض الجزائرية حيث لم تعد ثمة مصلحة في هذا القبائلي ، وبالتالي تم الاتجاه إلى تأليب القبائل ضد العرب بغرض التفرقة والحفاظ بالتالي على مصالح المعمرين والنظام الاستعماري ، ومن المقولات التي حاول منظروا الأنثروبولوجيا الاستعمارية فرضها مثلما يرى لوكا وفاتان أن: " القبائلي يكره العربي والعربي يكره القبائلي ، فهذا المقت المتأجج لا يمكن تفسيره إلا بشعور تقليدي توارثته الأجيال ، كره بين عرق الغزاة ( أي العرب ) والعرق المقهور ( أي القبائل ) " ، ويذكر المختصون في هذا الشأن أن الممارسة الأنثروبولوجية في الجزائر تدرجت خلال المرحلة الاستعمارية من مرحلة الحملات االعسكرية الرامية إلى محاولة اكتشاف مناطق البلاد والإلمام بطبيعة السكان وخصائصهم ، إلى مرحلة فهم تركيبة المجتمع ومؤسساته الدينية والتعليمية ، وهنا يمكن الحديث عن نمط التعليم والجمعيات الدينية الفاعلة في المجتمع ، وأخيرا مرحلة الاعتماد على الأنثروبولوجيين المتخصصين والأكاديميين ويمكن أن نذكر هنا: جيرمين تيليون، و جاك بيرك ، و بيير بورديو ...الخ.و قد تشكلت في خضم المرحلة الاستعمارية ذاتها اتجاهات مؤسسة لأنثروبولوجيا مخالفة للأنثروبولوجيا الاستعمارية ، كما كان الحال في الجزائر مع فرانز فانون الذي دعا إلى التركيز على الثقافة الوطنية التي تعرضت للاحتقار من قبل كثير من الأنثروبولوجيين الفرنسيين وضرورة إقرانها بالكفاح المسلح ، فالثقافة الوطنية هي التي تغدي الكفاح الذي يزيل الاستعمار ، كما أن الكفاح من شأنه خلق وتدعيم الثقافة الوطنية الجزائرية حسبه ، وهي الحالة ذاتها التي ميزت بلدان العالم الثالث بشكل عام خاصة بعد مرحلة الاستعمار حيث أصبح التركيز باديا في الممارسة الأنثروبولوجية على مسالة الثقافة في ارتباطها بحركات التحرر والاستقلال ،أي إعادة الاعتبار للثقافات الوطنية وعناصرها ، إضافة إلى الاهتمام بالقضايا العامة للإنسان المعاصر وقضايا التنمية وغيرها، مما يحيل إلى ضرورة فصل الأنثروبولوجيا عن الصفة الاستعمارية التي التصقت بها منذ نشأتها ، كما كانت هناك اتجاهات لممارسة أنثروبولوجيا محلية ،أي تولي مهمة البحث في هذه المجتمعات أنثروبولوجيين محليين ينتمون إلى بلدانهم الأصلية ، في مقابل حضور أنثروبولوجيين غربيين إلى هذه البلدان في السابق ، وهو ما طرح إشكالات في هذا المجال تتعلق بإمكانية قدرة الباحث المحلي على التخلي عن الأحكام المسبقة نتيجة اتصاله العضوي بهذا المجتمع ، في مقابل اللا موضوعية التي طالما ميزت الباحثين الغربيين ،على الرغم من أن المقارنة بين الحالتين غير جائزة تماما بالنظر إلى الهدف من الممارسة الأنثروبولوجية لدى الباحثين الذين ينتمون للنظام الاستعماري ،والذين عملوا على تقديم نتائج أبحاثهم لهذا النظام الرامي إلى الهيمنة والسيطرة ،في مقابل نزعة التحرر التي تعتري الباحثين المحليين وإحساسهم المتزايد بضرورة التخلص من رواسب الاستعمار باستدعاء الآليات والوسائل المختلفة للتنمية .

أهمية العلوم الاجتماعية في التنمية – علم الإنسان نموذجا –


سفيان ميمون


إذا كان دور العلوم الطبيعية محسوما في مساهمتها بشكل مباشر في تنمية المجتمع اقتصاديا واجتماعيا فإن للعلوم الاجتماعية دورها الواضح والخطير أيضا في هذا الشأن ، فإليها يوكل الأمر في تفسير وفهم الواقع الاجتماعي والسياسي والأخلاقي ...، كما أنها تساهم في تحديد الجوانب الطبيعية والصناعية أيضا ، فلا يمكن فهم مجال الصناعة مثلا بالاعتماد على الجانب التقني وحده والذي تمثله العلوم الطبيعية ، بل لا بد من الرجوع أيضا  مختلف التفسيرات الأخلاقية والقيمية والتي تنتجها العلوم الاجتماعية ليكتمل فهم الواقع الصناعي .
من هذا يبدو واضحا أن العلوم الاجتماعية تقف جنبا إلى جنب مع العلوم الطبيعية  في فهم الواقع وتفسيره وتقديم الحلول لمختلف المشاكل التي تواجه الانسان ، لكن العلوم الاجتماعية واجهت منذ نشأتها مشكلة أخرى تتصل بعلاقتها مع العلوم الطبيعية ومناهجها ، فالعلوم الاجتماعية اتخذت موقفين مختلفين في هذا الشأن ، أما الموقف الأول فهو موقف ينزع نحو الطبيعة أي يؤسس تفسيراته على الموضوع بعيدا عن الذات ،أي إبعاد الجوانب الذاتية في الفهم ، فكل معرفة إنما تقوم على السبب الذي يوصل إلى حقيقة الظاهرة وهو منهج اساسي في العلوم الطبيعية ، وقد كان ستوارت مل وأوغست كونت من رواد هذا الاتجاه حيث كان سعيهما واضحا لبناء فزياء اجتماعية ، أي لبناء علم اجتماعي لا يختلف في بنائه ومنهجه عن العلم الطبيعي ،وأما الموقف الثاني فقد جاء لإثبات الجانب الانساني الذي ألغاه اصحاب الموقف الأول الذين نزعوا أكثر نحو الطبيعة وأهملوا الإنسان ، فالإنسان لدى أصحاب هذا الموقف عامل أساسي في فهم واقع الإنسان نفسه ، فالخبرات الانسانية والتوقعات والميول وغيرها عوامل أساسية في الفهم ، يقول" ديلتي" في هذا الصدد :" إنه لمن الضروري بمكان تأسيس هذه العلوم على نظرية معرفية وإكساب استقلالية وظيفتها مشروعية وقوة ، بالإضافة إلى التخلي نهائيا عن إخضاعها من حيث مبادؤها ومناهجها لمبادئ العلوم الطبيعية ومناهجها " .
وتشكل العلوم الاجتماعية مجتمعة إطارا عاما تتعدد جوانبه ،فإلى جانب علم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم السياسة كعلوم اجتماعية صرفة ، نجد علم الانسان ( الأنثروبولوجيا ) يجمع بين الرؤية الاجتماعية والرؤية الطبيعية ،فعلم الانسان هو ذلك العلم الذي يصف ويقارن ويحلل الخصائص والصفات الطبيعية البيولوجية والثقافية الاجتماعية ، وإذا ركزنا على علم الانسان في جانبه الاجتماعي الثقافي فإننا نجد أن لهذا العلم فوائد جمة في الإحاطة بالواقع الاجتماعي والثقافي للإنسان بغرض توظيف ما تسفر عنه الدراسات في هذا الجانب العلمي لفائدة الانسان نفسه ، ومثال هذا استحداث فرع " الأنثروبولوجيا التطبيقية " التي تبحث في كيفية توظيف ما توصلت إليه الأنثروبولوجيا في الحياة الاجتماعية .
لقد نشأت الأنثروبولوجيا في خضم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي حصلت في أوروبا أواسط القرن التاسع عشر ، ولئن كان علم الاجتماع قد وجه لفهم هذه التغيرات وحل المشكلات الناتجة عنها فإن الأنثروبولوجيا وجهت لفهم مجتمعات أخرى خارج أوروبا بغية فهمها وتقديم معلومات عنها ، لذلك نشأت الأنثروبولوجيا وترعرعت في سياق النزعة الاستعمارية الغربية للسيطرة على المجتمعات الواقعة وراء البحر.
إن استخدام علم الانسان في إنتاج نظريات حول العرق والثقافة لتبرير الوجود الاستعماري يجعل الاعتقاد يترسخ أكثر بالطابع الاستعماري للأنثروبولوجيا ، لذلك فإن هذا العلم قد انتهى مفعوله بانتهاء فترة الاستعمار لان الهدف الذي أنشئ من أجله هذا العلم قد زال ، لكن الواقع يبين أن علم الانسان كعلم اجتماعي مازال دوره قائما الى الآن خاصة وأنه يرتبط بجملة من الموضوعات الثقافية والاجتماعية التي تفرض نفسها بقوة اليوم على غرار " الثقافة "،" النظم الاجتماعية "، "الهوية الثقافية " ،"الاندماج الاجتماعي والثقافي " ،"العولمة الثقافية " ، " دور الأسرة "  .....،وهي موضوعات شائكة تتطلب الفهم ، كما أننا بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى الاعتماد على أنثروبولوجيا موسعة تشمل جميع المجالات من خلال إعادة  الاعتبار لمختلف الابعاد الاجتماعية والثقافية في مختلف مؤسساتنا ، فتسيير هذه المؤسسات لا بد أن يرتكز إضافة إلى الجوانب التقنية على الجوانب الروحية والأخلاقية لأن تسيير أي مؤسسة هو قبل كل شيء تسيير للمورد البشري الذي يشكلها .