السبت، 17 أغسطس 2013

السوسيولوجيا بين الوحدة والتعدد



سفيان ميمون

هناك سؤال جوهري طالما طرحت حوله الأسئلة ودارت بشأنه النقاشات وهو : هل هناك سوسيولوجيا واحدة باعتبار أن نظريات العلم ومناهجه هي نفسها في الشمال والجنوب والشرق والغرب ، أم أن هناك سوسيولوجيات عديدة تبعا لتعدد المجتمعات التي يمارس فيها العلم ؟   
لقد شكل هذا التساؤل فعلا اهتمام كثير من علماء الاجتماع فراحوا يجيبون عنه من منطلق قناعاتهم المختلفة ، كما حاولوا الإجابة عنه من خلال مواقعهم الأيديولوجية أيضا ، فعلم الاجتماع حسب الرواية الأولى ( الذين يرون أن هناك سوسيولوجيا واحدة ) يرون أن علم الاجتماع نشأ خلال سيرورة تاريخية واجتماعية معينة وتدرج في نشأته – شأنه شأن المجتمعات التي يدرسها – من البسيط إلى المعقد ، فاكتسب بذلك العديد من النظريات والمناهج التي تطورت مع تطور الدراسات السوسيولوجية ، فأصبحت هذه النظريات والمناهج أساسية في أي عمل علمي ، فلا يمكن للباحث السوسيولوجي أن يستغني عن نظريات بحجم البنائية الوظيفية والماركسية مثلا في تحليل المجتمعات التي يدرسها لأن المفاهيم المستخدمة في التحليل لا تخرج عن إطار الاتساق والتوازن والتكامل مما يدخل في تكوين النظرية البنائية الوظيفية ، أو الصراع والتغير الاجتماعي مما يدخل في تكوين النظرية الماركسية .
إن أصحاب هذه الرؤية ينظرون إلى نظريات ومناهج علم الاجتماع باعتبارها قاعدة خلفية يستند إليها الباحثون الاجتماعيون لتفسير المجتمعات التي يدرسونها ، فمهما كانت طبيعة المجتمع المدروس فإنه يمكن اللجوء إلى مفاهيم وطرق وتقنيات هذه النظريات والمناهج باعتبارها تشكل مصدرا لا غنى عنه من الآليات والوسائل التي تساعد الباحثين في دراساتهم وأبحاثهم .
أما الرؤية الثانية  فهي مؤسسة على عدم التسليم بسوسيولوجيا واحدة وإنما بتعدد السوسيولوجيات تبعا لتعدد المجتمعات ، فطالما أن هناك مجتمعات مختلفة في بيئتها وثقافتها فإن الأمر يقتضي إيجاد علم اجتماع عربي وعلم اجتماع غربي وعلم اجتماع لأمريكا الجنوبية .....الخ ، وهناك محاولات للتأصيل النظري من خلال تفسير الظواهر الاجتماعية بردها إلى مجالها البيئي ، كما هو الحال بالنسبة لبعض السوسيولوجيين المسلمين الذين يحاولون تفسير الظواهر الاجتماعية الحاصلة في مجتمعاتهم من منطلق البيئة الاسلامية ومختلف أطرها النظرية كآي القرآن والسنة النبوية الشريفة ..الخ .
لكن الرؤيتين كلتيهما ما فتئتا تتعرضان للنقد فالذين يؤمنون بضرورة تعميم علم الاجتماع الغربي بنظرياته ومناهجه باعتباره علما عاما وشاملا – كثيرا ما يغلبون ماهو نظري على ماهو واقعي بينما من مبادئ العلم الأساسية أن تستخدم النظريات والمناهج كأدوات مساعدة على التحليل فقط ، لا أن تفرض نفسها على هذا الواقع فتغيره وتضفي عليه ما ليس فيه ، وقد أشار إلى هذا الدكتور علي الكنز في إحدى آرائه حينما أوضح أن كثيرا من باحثينا يقومون بتطويع الواقع لصالح النظرية وليس العكس مزيفين بذلك الواقع الذي يدرسونه .
كما أن الذين يؤمنون بضرورة تعدد السوسيولوجيات وفقا لتعدد المجتمعات مطالبون بتطوير نظريات خاصة نابعة من مجتمعات الدراسة وليس الاكتفاء بنقد السوسيولوجيا الغربية ، وفي المجتمعات الاسلامية نجد بعض المفكرين الذين وضعوا بعض الأسس للتنظير السوسيولوجي الاسلامي على غرار المفكر الجزائري مالك بن نبي الذي تحدث عن المجتمع والثقافة وأسس تشكلهما مما يستدعي الاهتمام وتطوير هذه الرؤى. 

السبت، 8 يونيو 2013

المثقف بين الوضع والدور


سفيان ميمون

إذا كانت الثقافة في مفهومها العام هي ذلك النشاط العقلي والممارسة السلوكية للأفراد فإن المثقف هو الذي يؤدي هذا النشاط ويمارس ذلك السلوك ، ولذلك كانت الثقافة عملة المثقف بها يتعامل ومن أجلها يسعى ، إذ أن الثقافة هي الأداة والهدف في الوقت نفسه ، فهي أداة لأن المثقف يفكر ويتأمل بفعل ما تشكل لديه من قيم وأفكار ، وهي الهدف المنشود أيضا حينما ينخرط المثقف في التأسيس لأيديولوجية المجتمع عبر المدرسة والإعلام والجامعة والأدب....
إن التأسيس لأيديولوجية ما لا يتوقف عند مجرد اكتساب المعارف وإعادة إنتاجها كما هي دون نقد ولكن باكتساب المثقف للعقل الناقد المبدع لذلك يرى محمد أركون أن المثقف هو " ذلك العامل المنخرط في أعمال معرفية تتطلب بالضرورة استخداما نقديا للعقل " فالانخراط الذي يريده أركون هو انخراط في المعرفة ومقتضياتها وليس انخراطا في قوالب أيديولوجية ما تطبق على المثقف وتجعل منه عبدا مطيعا، إنه يريد المثقف الناقد والنقد يحيل بالضرورة على الحرية .
لطالما نادى المفكرون والأدباء بحرية الثقافة ودعوا إلى تحرير المثقفين من مختلف الأطر التي تنمط تفكيرهم ، ويمكن أن نذكر هنا كمثال رؤية المفكر علي حرب وما يدعوا إليه صراحة من ضرورة التخلص من الأوهام التي علقت بذهن المثقف ، ففي كتابه "أوهام النخبة" يرى حرب أنه من واجب المثقف أن يموضع نفسه في خانة الانتاج والابداع والنقد الثقافي وهي حسبه المهمة الوحيدة التي يجب أن يضطلع بها ، لذلك يعيب على المثقفين انصرافهم إلى مهام أخرى وتقمص أدوار ليست لهم ، كتقمص دور السياسي والداعية أو النبي والكاهن .....
لقد كانت هذه الأدوار حسب علي حرب نتاجا حقيقيا لجملة من الأوهام التي تقيد ذهن المثقف وتصرفه عن ممارسة النقد للنقد والإبداع لذاته ،  فوهم "الهوية" مثلا جعل المثقف متمسكا ومنشغلا بالتراث بينما الواجب هو الاشتغال عليه والتجديد فيه ، مثلما غلف وهم     " الحداثة"ذهن المثقف وجعله يتوهم الحرية بابتعاده عن التراث ولكنه – في الحقيقة – يخضع لتراث آخر هو تراث الآخرين ، وبهذا يلتقي من يدعوا إلى الهوية والتراث مع من يدعوا إلى الحداثة والتجديد في التبعية والتقليد .
إن حرية المثقف في ممارسة التفكير والنقد لا تعني – البتة – انفصاله المطلق عن السياق الاجتماعي والتاريخي الذي يمارس فيه عمله بقدر ما تعني وعيه بما يحيط به واستيعابه لمختلف التفاصيل الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية في حركيتها المستمرة ، أي أنه على المثقف أن يكون قادرا على إدراك وضعه الاجتماعي وتفكيك السياق الثقافي الذي يمارس فيه عمله ، ومن هذا المنطلق يرى هشام شرابي أن ما يميز المثقف صفتان اثنتان : الوعي الاجتماعي الذي يسمح للمثقف بالنظر إلى قضايا المجتمع وتحليلها من منظور شامل والدور الاجتماعي الذي يؤديه المثقف بدافع وعيه المكتسب .
هناك إذا جدلية صريحة بين الوعي والدور فبينما يمكن الوعي الدور من الأداء الفعال نتيجة الإحاطة بالواقع الاجتماعي وفهمه وتحليله ، يزيد الدور الوعي وعيا إضافيا نتيجة الممارسة الميدانية ، فالممارسة الميدانية تكشف للمثقف عن عوامل جديدة لم يكن يعرفها ، وهو يعمل دائما على تجديد وعيه وفقا لهذا الدور وبهذا فقط يستطيع أن يقدم أداء راقيا يستفيد منه الجميع .
إن وعي المثقف بوضعه الاجتماعي يطرح كيفية تعاطيه مع هذا الوضع ، فتارة يقبل به ويسانده  وتارة أخرى ينبذه وينخرط في تيار التغيير فيكون المثقف هنا مثقفا ملتزما ومنحازا إلى طبقة أو جماعة معينة ، ويقدم الصراع الاجتماعي في صورة صراع ثقافي يقوده المثقفون الذين يلزم كل واحد منهم إحدى هذه الطبقات أو الجماعات ، وفي سياق الحديث عن المجتمعات الطبقية تبدو بوضوح قضية التزام المثقف بمبادئ طبقته  وهذا أمر مألوف ، فالطبقة لها دور كبير في تشكيل المثقفين وتأميمهم للدفاع عن فلسفتها والحفاظ على بقائها واستمرارها وهو أمر وإن أحال إلى خضوع المثقف إلى فلسفة الطبقة ومصالحها فإنه يحيل أيضا إلى وعيه بمبادئ هذه الطبقة وأهدافها .
لقد حاول بعض المحللين الماركسيين ممن اهتموا بالبنية الفوقية ودورها في التشكيل الاجتماعي أن يوضحوا هذا الأمر ، فمن هؤلاء نجد المفكر الإيطالي " أنطونيو غرا مشي"الذي ربط ربطا جدليا بين المثقف باعتباره ممثلا للبنية الفوقية والطبقة باعتبارها مجموعة  من العلاقات الاجتماعية التي تشكل البنية التحتية ، فالطبقة عنده لا بد أن تتخذ لنفسها مجموعة من المثقفين الذين يدافعون عنها بعدما تقوم بإنتاجهم أو استيعابهم ،
ف" غر امشي " يطرح قضية تبعية المثقف وتحرره من خلال سؤال طرحه وراح يجيب عنه في كتاب " قضايا المادية التاريخية ": هل يشكل المثقفون طبقة اجتماعية قائمة بذاتها ، أم أن لكل طبقة اجتماعية فئة متخصصة من المثقفين ؟ ، ينفي غرا مشي في جوابه عن السؤال الذي طرحه اتفاق المثقفين وتكتلهم ويقر بالشتات والانشطار ، فكل فئة من هؤلاء المثقفين تنتمي إلى طبقة اجتماعية معينة ، وهو بهذا لا يشد عن التصور الماركسي العام الذي يقدم البنية التحتية أساسا للبنية الفوقية ، والذي يؤدي بالضرورة إلى مسألة عكسية وهي غاية الطبقة وسر بقائها حيث البنية الفوقية – في النهاية –هي التي تحافظ على شكل العلاقات والأنماط الاجتماعية المشكلة للبنية التحتية .
إن القول بتبعية المثقفين إلى إحدى الطبقات الاجتماعية لا ينفي تحررهم بشكل مطلق ، فتبعية المثقف وتحرره لا يشكلان تناقضا بقدر ما يصنعان ترتيبا أنيقا ، فالمثقف من خلال انتمائه إلى الطبقة البروليتارية مثلا يسعى إلى تحرير المجتمع من وحشية العلاقات القائمة في سياق النظام الرأسمالي ، كما أن التماهي مع مبادئ الطبقة والإيمان بها يجعل المثقف متحررا من أي ضغط أو إكراه ، فدور المثقف ونشاطه الذي يؤديه لصالح الطبقة التي ينتمي إليها هو الذي يحدد مدى قوة هذه الطبقة ، كما يحدد في الوقت نفسه وضع المثقف ومكانته داخلها .
قد يكون التزام المثقف بقضايا جماعة أو طبقة معينة مرتبطا بضغوط السياسة ومغريات المال وهي قضية مطروحة في عصرنا الحاضر ، فانتماء المثقف إلى مؤسسة إعلامية معينة تجعل منه ناقلا أمينا لمبادئها وأهدافها مهمشا بذلك آراءه وتصوراته ، لأنه ببساطة باع كفاءته ، ونذر نفسه وعقله لهذه المؤسسة ، إن الفاصل في هذه القضية هو اتفاق أيديولوجية المثقف مع أيديولوجية المؤسسة والقائمين عليها ، لكن الأمر ليس هينا فالمثقف اليوم صار مترنحا في اختياره بين رزقه ومبادئه ، وكثيرا ما يختار الرزق – قبل الفلسفة – لإثبات الوجود .

الاثنين، 8 أبريل 2013

الإصلاحات المنشودة على الطريقة المعهودة



سفيان ميمون

تعبر الاحتجاجات الشعبية في جملتها عن رفض للوضع السائد وتطلع لإصلاح كل فاسد ، وهذا شأن احتجاجات جنوب الجزائر إذ هب الشباب للتعبير عن سخطهم حيال وضعهم المعيشي ، كما عبروا في الوقت نفسه عن أملهم في تغيير هذا الوضع نحو الأحسن .


لقد وجد هذا الوضع آذانا صاغية لدى المسؤولين – وهي نقطة تحسب لهم – فقد حاولوا التجاوب مع الشباب من خلال ما أبدوه من تفهم تجسد في جملة من الإصلاحات والمشاريع ، وكانت إحدى أهم هذه المشاريع - في رأيي- هي فتح أقسام للطب في بعض مدن الجنوب .

لكم نحن بحاجة لفتح معاهد للطب في الجنوب والشمال بل وفي كل ولاية من ولايات الجزائر فقد فتكت بنا الأمراض وأحاطت بنا من كل جانب ، خاصة الأمراض التي لها علاقة بضغط المحيط الاجتماعي كضغط الدم ومرض السكر...، كما أننا بحاجة لفتح معاهد للقانون في كل مدينة فقد أضحت مدننا أوكارا للمشكلات والجرائم مما يلزم تدقيق التخصصات القانونية لتكون موافقة لأنواع الجرائم التي تجتاح مدننا ....

لكن هل هذا ممكن من الناحية العملية ؟ لقد انتشرت التخصصات المختلفة في شتى جامعات الوطن حتى انتفى المعنى الحقيقي لكلمة " جامعة " التي تشير إلى اجتماع الطلاب من أماكن مختلفة في مكان واحد لدراسة تخصص واحد ، فتكون الغاية الأسمى من هذا الاجتماع هي تلاقح الأفكار وتبادل الاهتمامات والتعرف على العادات ، ناهيك عن اجتماع إطارات التدريس العليا في هذا المكان الجامع ، والواقع يحيلنا اليوم على معاهد وأقسام فتحت ومضى على فتحها وقت طويل غير أنها لا تملك التأطير الكافي لتخريج طلاب مؤهلين في التخصص ، وبعض هذه الأقسام لا تملك أستاذا واحدا يحمل درجة دكتوراه .

قد لا نبالي بمستوانا الضعيف في القانون والاجتماع والسياسة لأن هذه التخصصات عندنا شكلية وثانوية وهي عند غيرنا أساس لتقدم المجتمع وحمايته من التفكك ، ولأن هذه التخصصات والمجالات لا تمس بدن الانسان بشكل مباشر بل تتصل بروحه ، هذه الروح التي لا نحس بها لأننا مازلنا بعد لم نحقق وجودنا المادي ، أما الروح وإن كانت في جوهرها أساسا للوجود المادي إلا أن اهتمامنا بها مازال مؤجلا إلى حين .

قد لا نبالي بمستوانا الضعيف في هذه المجالات لكننا سوف نثور كما تثور الثيران بمجرد أن تمسنا شوكة صغيرة في بدننا ، فأي انحطاط في مجال الطب سيبدو ساطعا كالشمس ، لذلك رأينا انتشارا لمختلف التخصصات الأدبية والاجتماعية في مختلف جامعات الوطن ، غير أن الطب بقي محصورا في جامعات كبرى تتوفر على إطارات عليا في التخصص، إنها شعرة معاوية التي تم الحفاظ عليها لزمن ما ، لكننا نرى هذا الزمن في إدبار ، لم يعد الطب مهما كما كان ، لم يعد بدن الانسان مهما ، لقد هان أيضا كما هانت روحه من قبل .

ماذا يعني فتح أقسام أخرى للطب في جامعات جزائرية أخرى ؟ قد يعني ذلك لدى طالب شاب حديث عهد بالجامعة أو لدى عائلته الفقيرة " تقريب الجامعة من الطالب " على منوال " تقريب الإدارة من المواطن " كما قد يعني لدى مسؤول ما التخلص من مشكلة تجاوز عدد الطلاب طاقة مرافق الإطعام والإيواء والتمدرس ، لكنها تعني في الواقع فتح تخصصات بدون متخصصين أي بدون إطارات عليا تعطي تكوينا محترما للطلاب ، وهذا ما يعني إلحاق تخصص الطب الذي بقي محافظا على شيء من المستوى بباقي التخصصات الأخرى التي تم تمييعها لسبب أو لآخر .

إن تمييع العلوم الاجتماعية مثلا يفيد في إفراغ التخصص من محتواه أي تخريج طلاب بشهادات هم دونها علميا فيغيب عنهم التحليل الصادق في مجال تخصصهم ، لكن تمييع الطب إنما هو تحطيم لآخر قلعة في الإنسان طالما أن قلعة الروح قد حطمت فلم يبق إلا البدن والسلام عليك أيها الإنسان .

لقد استنكر الدكتور أبو القاسم سعد الله في بداية الثمانينات سياسة نشر الجامعات في كل ولايات الوطن ورأى أنه إن كان ثمة ضرورة لذلك أن تختص كل جامعة بتخصص يلتف حوله الطلبة من مختلف مناطق الوطن ، كما يجمع هذا التخصص إطارات البلاد العليا حتى تكون تلك الجامعة باجتماع احسن إطارات البلاد لديها منارا حقيقيا في ذلك التخصص .

لقد كانت عين الدكتور سعد الله هي عين الخبير الذي يروم رفع مستوى الجامعة بأساتذتها وطلابها لكن صوته بقي خافتا لأن صوت السياسيين كان أعلى من صوته .

السياسي هو المنظر وليس الخبير وهذه مأساتنا لأن السياسي وإن كانت نيته حسنة فهي غير كافية لأنه يروم حل المشاكل الظرفية التي تعيق عمله فيعمد إلى بعض الاجراءات لإعادة النظام الاجتماعي دونما نظر فيما تؤدي إليه هذه الاجراءات .

هذه الاجراءات التي تتخذ اليوم لا تختلف عن الاجراءات التي اتخذت في سياق إصلاح المنظومة التربوية والجامعية ، فعندما كان الكثير من الخبراء يعددون الأسباب التي قد تجعل من نظام LMD نظاما فاشلا كان صوتهم خافتا أيضا لأن صوت راكبي السياسة في الجامعة كان أعلى ، وعندما كان الكل من صحافة ومجتمع مدني وخبراء في التربية ينددون بإصلاحات بن زاغو رأى النافذون في السياسة أن هؤلاء قد زاغو عن الحق ومالهم من حق ، فقاموا بما رأوه حقا حتى وصلنا إلى ماوصلنا إليه .إنها الإصلاحات المنشودة على الطريقة المعهودة ، فليس لنا إلا أن نصبر ولا نستغرب أي إصلاح بل علينا أن نتوسم فيه كل فلاح !!



الجمعة، 4 مايو 2012

طلبة السنة الأولى علوم اجتماعية -  مقياس الأنثروبولوجيا - جامعة تيارت
السلام علييكم / هذه بعض الدروس التي لم يتيسر لنا كتابة تلخيصات لها خلال حصص مقياس الأنثروبولوجيا حاولت نقلها عبر المدونة الالكترونية . أما الدروس الي كتبت تلخيصات لها فلم أقم بنقلها نظرا لضيق الوقت ، آمل أن يتيسر لي ذلك .
ملاحظة : تم جمع المعلومات والأفكار الواردة في الدروس من مراجع مختلفة .
تحيات أستاذ المقياس وتمنياته بالتوفيق .
                                         سفيان ميمون

أقسام الأنثروبولوجيا
وقد قسمت الأنثروبولوجيا إلى الأقسام التالية :
1/ الأنثروبولوجيا الفيزيقية (الطبيعية ) : وهي أقدم فروع الأنثروبولوجيا وقد ظهرت مع نهاية القرن 18 م وبداية القرن 19م تحت تأثير النظرية الداروينية ( نظرية التطور ) وتهتم بالجانب الفيزيقي للإنسان من حيث سماته الجسمية كشكل الجمجمة وارتفاع القامة ولون البشرة ....كما تهتم بنشأة الإنسان وتطوره منذ القديم .
2/ الأنثروبولوجيا الثقافية : وتهتم بالجانب الثقافي للإنسان فتدرس حياة الناس وعاداتهم وتقاليدهم ، كماتهتم بمراحل التطور الثقافي والحضاري للمجتمعات الإنسانية فهي بهذا تعنى بدراسة ثقافة الأسلاف ( القدامى ) من خلال الكشف عن البقايا المادية لمجتمعات وحضارات منقرضة وذلك بالإستعانة بعلم الآثار كما تعنى أيضا بدراسة  ثقافة المجتمعات التي تتسم بالبساطة وكذا ثقافة الجماعات المحلية في المجتمعات المعاصرة ومختلف التباينات العرقية والثقافية وقضايا الإندماج والهوية ........
3/ الأنثروبولوجيا الاجتماعية :وتركز على الجانب الاجتماعي أي أنها تهتم بدراسة الأنماط المختلفة للسلوك الاجتماعي الذي يتخد شكل نظم وأنساق إجتماعية كنظام العائلة والقرابة ونظام التربية والنظام السياسي ...، وكذلك الاهتمام بالعلاقات القائمة بين هذه النظم ومختلف التأثيرات التي تحدث بينها ، أي أن الأنثروبولوجيا الاجتماعية تهتم بدراسة البناء الاجتماعي ككل بمختلف مكوناته مع الأخذ في عين الإعتبار أن هذا البناء الذي يتم الإنطلاق منه خلال الدراسة يضم مختلف الأشكال والتعبيرات الثقافية لذلك كان هناك تداخل كبير بين الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية ، ويتم التفريق بينهما في نقطة الإنطلاق فالأنثروبولوجيا الاجتماعية تنطلق من الكل ( البناء الاجتماعي ) بينما تنطلق الأنثروبولوجيا الثقافية من العناصر البسيطة للثقافة ( عادات ، قيم ، لغة ،...) وصولا إلى فهم البناء الكلي للمجتمع .
4/ الأنثروبولوجيا التطبيقية :وقد استخدم هذا المصطلح في نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات من القرن العشرين ليعكس اهتمام علماء الأنثروبولوجيا بتقديم نتائج أبحاثهم وتوجيهها لخدمة مجتمعات بعينها بغرض التنمية الاجتماعية وبناء قرارات حكومية سليمة ، فنتائج الأنثروبولوجيا يمكن الإستفادة منها في مجالات اجتماعية مختلفة كعمليات التخطيط الاجتماعي والتربوي على سبيل المثال .
أقسام الأنثروبولوجيا

علاقة الأنثروبولوجيا بالعلوم الأخرى  

هناك علاقة وطيدة بين علم الإنسان وباقي العلوم الاجتماعية الأخرى سواء التي تنتمي إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية أو الطبيعية  ، ومن أجل بيان هذه العلاقة نحاول إيراد بعض الأمثلة على ذلك .
1-   علاقة الأنثروبولوجيا بالبيولوجيا ( علم الأحياء) .
هناك تداخل كبير بين الأنثروبولوجيا والبيولوجيا ، ويرجع هذا التداخل خصوصا إلى اعتماد الأنثروبولوجيا حين نشأتها أساسا على نظرية التطور البيولوجي والإنطلاق  في وصف المجتمع والثقافة من نظرة تطورية مستمدة من نظرة البيولوجيا إلى نشأة وتطور الإنسان ككائن عضوي ، من أجل هذا وصفت الأنثروبولوجيا الفيزيقية ب " البيولوجيا الإنسانية " ، كما أن السلوك الثقافي يمكن رده إلى أسس بيولوجية معينة فيتم فهم هذا السلوك في خضم هذه الأسس ، إضافة إلى التشابه بين الأنثروبولوجيا والبيولوجيا في موضوع الدراسة ، فإذا كان الموضوع الأساسي في البيولوجيا هو التنوع الجيني والإختلاف البيولوجي فإن موضوع الأنثروبولوجيا يرتكز على دراسة وفهم التنوع والإختلاف الإجتماعي والثقافي ، كما يمكن أن يلتقيا في موضوع السلالة والعرق والخصائص الإنسانية .
2-   علاقة الأنثروبولوجيا بالجيولوجيا والجغرافيا .
فالجيولوجيا ( علم طبقات الأرض ) تزود الأنثروبولوجي بعمر البقايا العظمية لإنسان ماقبل التاريخ وبذلك يتسنى للأنثروبولوجي استخدامها في تحديد عمر الحضارات والظروف التي عاش فيها إنسان تلك الحضارات بناء على معطيات الجيولوجيا وعلم الأثار ، كما يستفيد الأنثروبولوجي من الدراسات الجغرافية التي توفر له معلومات عن مختلف جوانب الطبيعة والتضاريس والظروف المناخية المختلفة التي يمكن أن تكون أصلا لتفسير سلوكات الإنسان وتفسير الإختلافات التي تميز جماعة بشرية عن أخرى ، فهناك من يرى بأن الطقس الحار يؤدي إلى الخمول والكسل وعلى العكس منى ذلك يؤدي الطقس البارد إلى النشاط والحيوية .
3-   علاقة الأنثروبولوجيا بالتاريخ .
هناك تداخل كبير بين الأنثروبولوجيا والتاريخ ومنشأ ذلك اهتمام الأنثروبولوجيين بوصف الأحداث والعوامل التاريخية التي تؤدي إلى تكوين ونشأة الظواهر الحضارية وذلك باستخدام مناهج البحوث التاريخية ، وفي خضم هذه العلاقة يرى "ميتلند " أنه يجب على الأنثروبولوجيا أن تختار بين أن تكون تاريخا أو أن لا تصبح شيئا على الإطلاق ، ورغم بروز بعض الإختلافات بين العلمين أبرزها اهتمام المؤرخين بالأحداث التي تقع في الماضي وتتابع هذه الأحداث أقل مما يعنون باكتشاف الأنماط العامة لهذه الاحداث والتتابعات واستنباط القواعد والقوانين التي تميزها كما يفعل الأنثروبولوجيون ، إلا أن التداخل واضح في كثير من النقاط منها : أن الأنثروبولوجي ورغم اهتمامه بالحاضر في دراساته إلا أن تفسير هذا الحاضر لا يتوفر له دون الرجوع إلى العلاقات والتغيرات التاريخية التي صنعت هذا الحاضر ، كما أن التغيرات الاجتماعية التي يهتم بها الأنثروبولوجي هي في الوقت نفسه مراحل تاريخية ، وبهذا المعنى لا يمكن فصل الأنثروبولوجيا عن التاريخ فكلاهما يهتم بتوضيح وإبراز السلوكات والدوافع الإنسانية في مراحل معينة .
4-   علاقة الأنثروبولوجيا بالفلسفة .
إذا كانت الفلسفة كما يرى أرسطو هي " علم المبادئ والأسباب  الأولى غايتها البحث عن الحقيقة برمتها وبأكثر أساليب الفكر نظاما وتماسكا " فإنها بهذا تشترك مع الأنثروبولوجيا في عملية البحث عن الحقيقة وإن كانت وسيلة الوصول إلى الحقيقة في الفلسفة تختلف عنها في الأنثروبولوجيا ذلك أن البحث الأنثروبولوجي يرمي إلى الوصول إلى حقائق ميدانية من خلال معايشة مجتمعات الدراسة أو الإعتماد على معلومات توفرها مصادر أخرى عكس الفلسفة التي تعتمد على العقل ، كما أن نظرة الإنسان إلى الكون والحياة والموت وتأملاته المختلفة في مختلف الأزمنة والأمكنة هو أحد الموضوعات الهامة للأنثروبولوجيا التي ترمي إلى الكشف عن مختلف أنماط التفكير والسلوك لدى الجماعات البشرية عبر الزمان والمكان .
5-   علاقة الأنثروبولوجيا بعلم الإجتماع .
إذا كان علم الإجتماع هو العلم الذي يدرس الظواهر الإجتماعية ويتناول علاقات الأفراد وعمليات التفاعل فيما بينهم فإنه يشترك مع الأنثروبولوجيا في دراسة الإنسان وسلوكه ، كما يشترك معها في دراسة العلاقات الإجتماعية ومختلف النظم التي تشكل البناء الإجتماعي ، لذلك اتجه رادكليف براون إلى حد اعتبار الأنثروبولوجيا الإجتماعية فرعا من فروع علم الإجتماع واعتبارها بمثابة علم الإجتماع المقارن .
إن تركيز علم الإجتماع ينصب على ظواهر ومشكلات اجتماعية محددة كمشكلات الأسرة والطلاق والجريمة والبطالة ....بينما تدرس الأنثروبولوجيا المجتمع ككل فتتناول مختلف جوانب الحياة الإجتماعية بنظرة شاملة في إطار العلاقات المختلفة بين جميع جوانب هذه الحياة فتدرس العادات والتقاليد والسلوكات ومختلف النظم كنظام العائلة والقرابة والنظام الديني والسياسي .....وهناك فرق جوهري أيضا حيث يتم التركيز في الأنثروبولوجيا على المجتمعات التي تسمى بدائية أي بسيطة نسبيا بينما يركز علم الإجتماع على المجتمعات الإنسانية الكبيرة المعقدة ، وربما كان الإتجاه لدراسة هذه المجتمعات هو الذي أحال علم الإجتماع على التركيزعلى ظواهر محددة وربما كان إتجاه الإنثروبولوجيا أيضا إلى دراسة المجتمعات البسيطة هو الذي أحالها على الدراسة الشاملة للجماعات والمجتمعات الإنسانية ، إلا أن التطور في كلا العلمين أحدث تداخلا واضحا بينهما فقد اتجه الأنثروبولوجيون إلى الإهتمام بمشكلات المجتمعات الصناعية والمعقدة من خلال بعض القضايا الأنثروبولوجية كقضايا الهجرة والإندماج والصراع العرقي والهوية والتنمية الاجتماعية ....، كما اتجه علماء الاجتماع إلى الإهتمام بالجماعات البسيطة والصغيرة الحجم ضمن علم اجتماع القرية وعلم الإجتماع الريفي مثلا.......
وقد أدى الاهتمام التقليدي للأنثروبولوجيا ( دراسة المجتمعات البسيطة دراسة شاملة ) إلى الإعتماد على المنهج الكيفي من خلال ملاحظة وفهم جوهر الحياة الاجتماعية لدى الشعوب المدروسة ، في مقابل استخدام علماء الاجتماع للإحصاء ( المنهج الكمي) في الظواهر الاجتماعية ، لكن تقدم الدراسات الأنثروبولوجية جعلها تعتمد بدورها على الأساليب الإحصائية التي يستخدمها علم الاجتماع .
6-   علاقة الأنثروبولوجيا بعلم النفس .
يهتم علم النفس بدراسة الإنسان الفرد من جوانب شخصيته المختلفة بغية الوصول إلى حقائق تتصل بالظواهر النفسية ، بينما تركز الأنثروبولوجيا على الإنسان كعضو في جماعة ، ورغم هذا فإن الموضوعات التي يتناولها كلا العلمين متداخلة ، فالإنسان لا يستطيع أن يعيش إلا وسط جماعة يتفاعل مع أعضائها ، يتعاون معهم ويتضامن ، ويمارس السيطرة كرئيس أو يخضع كمرؤوس ، وكل هذه القضايا ( التعاون والتكافل والقيادة والمشاركة ...) إنما هي عناصرأساسية للأنثروبولوجي الذي يريد فهم مجتمع ما ، وإذا كان علم النفس يهتم بالخصائص الجسمية للإنسان وعوامل البيئة وعلاقتها بالسلوك فإن من مهام الأنثروبولوجي تحديد وتصنيف الخصائص الجسمية العامة وتفسير سلوك الجماعة في ضوء خصائص جسمية وبيئية معينة .
ومن المسلم به اليوم أن لعلم النفس دورا هاما في فهم سلوك الناس الإجتماعي وهو ما يتفق مع اهتمام الأنثروبولوجيا الإجتماعية حيث تركز على تفكير الناس وقيمهم وعقائدهم ورموزهم ، فلكي يفهم الأنثروبولوجي السلوك الجماعي لجماعة ما لابد من الرجوع للتركيبة العقلية لديهم وهوما يقتضي الإلمام بمبادئ علم النفس .
ويبدو الإتصال بين الأنثروبولوجيا وعلم النفس بشكل واضح في علا قة الثقافة كموضوع أساسي للأنثروبولوجيا بالشخصية كموضوع أساسي لعلم النفس ، ففهم الشخصية الإنسانية لا يتم إلا في سياق الثقافة المجتمعية ، كما أن فهم ثقافة المجتمع ترد إلى شخصية الأفراد الذين ينتجونها وعلى رأسهم شخصية الزعماء والقواد الذين يصنعون الإتجاهات العامة في المجتمع .
ولا تتوقف علا قة الأنثروبولوجيا بهذه العلوم وإنما تتصل بعلوم أخرى كثيرة كعلم السياسة والتربية والأخلاق كما تتصل بالآداب والفنون وبكثير من العلوم الطبيعية ....إلخ .