الجمعة، 4 مايو 2012

الموضوعات الأساسية في الأنثروبولوجيا :
       اتضح من الدروس السابقة أن الموضوع الأساسي للأنثروبولوجيا بشكل عام هو الإنسان بكل نواحيه ، فجسم الإنسان في ذاته ونشأته وتطوره هو موضوع الأنثروبولويا الفيزيقية بينما علاقات الإنسان وسلوكه ومختلف التفاعلات التي تنتج عن اتصاله بالآخرين هي موضوع الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية ، وكما اتضح لنا من قبل فإن الأنثروبولوجيين الأوائل عمدوا إلى دراسة المجتمعات البدائية البسيطة في تركيبتها وثقافتها فكان المجتمع البسيط والذي وصف بالبدائي هو الموضوع الأساسي الذي وجهت إليه أنظار الأنثروبولوجين قبل أن يتجهوا لدراسة المجتمعات صغيرة الحجم وإن كانت زمانا ومكانا ضمن المجتمعات المعاصرة ، وفي هذا الصدد نذكر أن رادكليف براون مثلا حدد مجال دراسة الأنثروبولوجيا في مقال له عن المنهج عام 1923 بالمجتمعات البدائية لكنه عاد سنة 1944 ليجعل من جميع أنماط المجتمع الإنساني مجالا للدراسة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية ، وهو نفس الموقف الذي أبداه إيفانز بريتشارد الذي رأى بأن الأنثروبولوجيا هي " فرع من الدراسات الاجتماعية يتخد من المجتمعات الانسانية جميعا ( بأنماطها المختلفة ) موضوعا له ، وإن كان يركز على دراسة النمط التقليدي منها " .
والواضح أن الموضوع الأساسي للأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بشكل خاص يتراوح بين الاتجاه لدراسة البناء الاجتماعي ومختلف النظم والأنساق الاجتماعية التي تكونه ووظيفة هذه النظم ، إضافة إلى دراسة الثقافة بمكوناتها المختلفة ، وفيما يلي نحاول أن نورد بعض هذه الموضوعات :
1/ الثقافة : وهي من الموضوعات الأساسية في الأنثروبولوجيا باعتبار هدف هذه الأخيرة التي ترمي إلى فهم ثقافة الشعوب ومختلف التمايزات الموجودة بينها .
أ/ مفهوم الثقافة : الثقافة من وجهة النظر الأنثروبولوجية كما ترى الدكتورة سامية حسن الساعاتي هي " مجمل التراث الإنساني أو هي أسلوب حياة المجتمع "  وقد عرفت الثقافة وفق طريقة التحليل فهناك تعريفات وصفية ، وتاريخية وسيكولوجية ...الخ ، ولعل أشهر تعريف أجمع المهتمون بالثقافة على شموليته هو تعريف إدوارد تايلور في كتابه " الثقافة البدائية" عام 1871 " الثقافة هي ذلك الكل المعقد الذي يشمل المعلومات والمعتقدات والفن والأخلاق والعرف والتقاليد والعادات وجميع القدرات الأخرى التي يستطيع الإنسان أن يكتسبها بوصفه عضوا في مجتمع " .
ب/ عناصر الثقافة ومكوناتها : تقسم الثقافة عادة بحسب العناصر المكونة لها إلى ثقافة مادية وثقافة لا مادية (روحية معنوية ) فتشمل عناصر الثقافة اللامادية الفنون والأفكار والمعتقدات والعادات كما تشمل عناصر الثقافة المادية الآلات والمعدات والوسائل ...وهذا التقسيم هو الذي يفصل بين لفظي ثقافة وحضارة لدى البعض ( المدرسة الألمانية ) إذ تتصل الثقافة بالجانب الروحي بينما تتصل الحضارة بالجانب المادي عكس المدرسة الفرنسية التي  مزجت بين اللفظتين حين ظهورهما ، إذ تشيران  ( ثقافة وحضارة ) إلى الجانبين معا .
ويلجأ الأنثروبولوجيون وعلماء الإجتماع إلى تحليل الثقافة بحسب ما يشكلها من عناصر حيث : - السمة أو العنصر الثقافي هي أصغر وحدة في الثقافة  ليس ثمة ماهو أصغر منها( مثلا : قوس – فكرة .....)
- النموذج ( المركب الثقافي ) مجموعة من العناصر والسمات الثقافية المترابطة فيما بينها (مثلا : قوس + سهم + حقيبة ..)
- النظام وهو عدد من النماذج والمركبات الثقافية المترابطة فيما بينها ( مثلا : مركب ركوب الخيل + مركب مكان الصيد = نظام الصيد )
وترتبط النظم بعضها ببعض من خلال الأنساق الثقافية حيث يتشكل كل نسق من مجموعة من النظم التي يعتمد ويكمل بعضها البعض فنظام الصيد ونظام الزراعة ونظام التجارة تشكل النسق الإقتصادي ، وأخيرا فإن الثقافة تشمل مختلف هذه النظم والأنساق ومكوناتها .
ويقوم البعض بتجميع الثقافة في ثلاثة قطاعات كبرى بناء على نظرة " هوايت " للثقافة التي ترتب عناصر الثقافة في ثلاثة مواقع هي :
 - الأشخاص ( وما يتعلق بهم من عقائد واتجاهات و أفكار ...)
- الأشياء ( كل ماهو مادي محسوس )
- العلاقات بين البشر وبين البشر والأشياء
كما يقسم البعض الثقافة إلى :
     - عموميات : وهي الثقافة التي تشمل المجتمع كله
-         خصوصيات : وهي ثقافة جماعة محددة داخل المجتمع
-         البدائل أو التغيرات : وهي جملة العناصر الثقافية التي تدخل على الخصوصيات أو العموميات فتحدث فيهما تغيرا ثقافيا
ج / وظيفة الثقافة : يرى مالينوفسكي أن الوظيفة الأساسية للثقافة هي إشباع الحاجات الأساسية للإفراد ، فإذا كانت الثقافة هي كل شيء يضاف إلى ماهو خام وطبيعي ، وإذا كانت الطبيعة الإنسانية مثلا تستدعي الأكل والنوم والجنس في الجانب البيولوجي فإن الثقافة هي الكيفية التي تشبع بها هذه الطبيعة ( طريقة الأكل وكيفية النوم ...) وكذلك في جوانب الحياة الأخرى كالجانب النفسي مثلا حيث الحاجة إلى الأمن هي الطبيعة وإيجاد وسائل الدفاع عن النفس تمثل الثقافة .
وهناك وظيفتان  أساسيتان للثقافة :
1 – الوظيفة الاجتماعية : وتتضمن تجميع الناس في عالم عقلي أخلاقي مشترك يشعرهم بانتمائهم الواحد فتضمن من خلال هذا استمرار ووحدة المجتمع ، كما تزود الأفراد بالأهداف والآمال وتقدم لهم تفسيرات مسلم بها عن المحيط والعالم.
2- الوظيفة النفسية : وترمي إلى قولبة شخصيات الأفراد من خلال تزويدهم بأنماط السلوك وتمكينهم من طرق التعبير عن العواطف والانفعالات .
د- خصائص الثقافة : هناك اتفاق بين المهتمين بالثقافة حول بعض الخصائص أهمها:
-         الثقافة اجتماعية ومكتسبة : تكتسب من المجتمع عن طريق التعلم .
-         إنسانية : أنها من سمات الإنسان دون غيره من الكائنات .
-         انتقالية : تنتقل بين المجتمعات والأجيال
-         أفكار وأعمال : فهناك جانب روحي فكري للثقافة وجانب مادي ملموس
-         متنوعة الشكل مختلفة المضمون : فلكل مجتمع لغة ودين وعادات لكن هناك اختلاف في طبيعة هذه العناصر بين المجتمعات .
-         متغيرة : فالثقافة تتغير من خلال عمليات الاتصال والاحتكاك الثقافي وعمليات التعديل والتطور.
2/ البناء الاجتماعي :
     وهو من الموضوعات الأساسية  في الدراسات الأنثروبولوجية ويشير إلى تلك المجموعة من الأطر التنظيمية التي تنتظم في إطارها كافة العلاقات الإنسانية التي تجمع بين الأفراد في مجتمع ما أو التي تتعدى حدود المجتمع الواحد ، ويشير البناء الاجتماعي إلى النظام الاجتماعي العام الذي يتكون من مجموعة من  النظم الفرعية التي تتشكل بدورها من مجموعة من الظواهر والعلاقات الاجتماعية .
أ‌-       مفهوم البناء الاجتماعي عند رادكليف براون  : يرى براون أن البناء الاجتماعي هو "شبكة من العلاقات الاجتماعية الفعلية التي تقوم بين سائر الأشخاص في المجتمع "  لقد جعل براون من العلاقات الثنائية وحدات بنائية أساسية ( أي اجزاء أساسية من الباء الكلي للمجتمع ) كعلاقة الأب بالإبن مثلا ، ولكن براون يحاول التفريق بين مصطلحي الإنسان كفرد والإنسان كشخص ، فالإنسان كفرد هو ذلك الكائن العضوي البيولوجي عكس الإنسان كشخص الذي هو عبارة عن تلك المجموعة من العلاقات الاجتماعية التي يمارسها انطلاقا من أدواره المختلفة في المجتمع فالشخص مواطن وزوج وأب .........
ب‌-  البناء الاجتماعي عند إيفانز بريتشارد : يعني بريتشارد بالبناء الاجتماعي تلك العلاقات التي تربط بين الجماعات والتي تتميز بدرجة عالية من الثبات والتركيب ، أي أنه يقصد استمرار الجماعات و استمرار أنماط العلاقات التي تربطها بغض النظر عن الأفراد الذين يؤلفونها ، فالأفراد يولدون و يموتون بينما الجماعات كأطر تحتضن أنماط السلوك و العلاقات فباقية .
لذلك يختلف بريتشارد عن براون في عدم اعتباره بأن الأسرة هي وحدة بنائية (جزء أساسي) للبناء الكلي لأنها تتألف من علاقات بين أشخاص محدودي العدد ( الأب و الابن مثلا) فتنتهي هذه العلاقات بموت أفراد هذه الأسرة أما الجماعات فباقية .
و يرتبط مفهوم البناء الاجتماعي بكل من مفهوم النظام الاجتماعي و النسق الاجتماعي ، فإذا كان البناء الاجتماعي هو ذلك الكل المركب من أجزاء منتظمة حيث تمثل هذه الأجزاء مختلف أنماط السلوك و الظواهر، أما النسق فهو كما يرى كونديلاك (CONDILLAK) ،ذلك "النظام الذي تتساند فيه مختلف الأجزاء بصورة متبادلة " أي أن النسق الاجتماعي يشير إلي الاعتماد المتبادل و التشابك و التفاعل الحاصل بين عدد من النظم و الأجزاء .
ج_ البناء و الوظيفة :
    و يرتبط البناء في استقراره و استمراره بالوظائف التي تؤديها الأجزاء (النظم) المكونة له ،( النظام السياسي و الاقتصادي ، نظام القرابة ، نظام العائلة.........) فوظائف أجزاء البناء الاجتماعي تشبه الوظائف التي تؤديها أجزاء الكائن الحي لذلك كانت محاولة فهم البناء الاجتماعي من منطلق الوظيفة التي تؤديها النظم المختلفة و بتأثير واضح من الدراسات البيولوجية، فالمدرسة الوظيفية تهتم بوظيفة النظم ضمن الواقع الاجتماعي دون الرجوع إلى الماضي و محاولة تتبع تاريخ هذه النظم كما كان الحال خلال البدايات الأولى للأنثروبولوجيا ، و على العموم فإن  وظائف النظم تتجلى في العلاقات و التفاعلات القائمة داخل هذه النظم و القائمة فيما بينها أيضا ، و من خلال ذلك يمكن للبناء الكلي أن يبقى و يستمر .
3/ نظام القرابة :
ويعد نظام القرابة من الموضوعات الأساسية في الأنثروبولوجيا لأنه المجال الذي يتم بمقتضاه التعرف على طبيعة علاقات الاتصال عبر قنوات الأسرة و الزواج و القوانين التي تحكمهما لذلك يعتبر الزواج و نظام الأسرة إحدى أهم النظم الداخلة في تشكيل النظام القرابي العام و يعد النظام القرابي من الموضوعات الأولى التي تم تناولها في السياق الأنثروبولوجي ، فقد عني به لويس مورغان في كتابه " أنظمة قرابة العصبية و النسب للأسرة البشرية" عام 1871 ، كما اهتم به كل من مارسيل موس و راد كليف براون من الأنثروبولوجيين الأوائل أما اللاحقين فكانت لإسهامات كلود ليفي ستروس (1908-2009) الفضل الكبير في تطور هذا المجال .
أ‌-       مصطلحات القرابة :
                  تتعدد مصطلحات القرابة تبعا لتعدد المجتمعات لكن يمكن تصنيفها إلى قسمين أساسيين :
-         مصطلحات القرابة التصنيفية أو الطبقية :و هي تتأسس على الفئات و الطبقات العمرية فهناك طبقة الأجداد و طبقة الأبناء و طبقة الأحفاد ....
-         مصطلحات القرابة الوصفية :و تتأسس على الوصف الحقيقي للعلاقة القرابية دون تصنيف فهناك الأب و الأم و الأخ و الأخت .........، و من هذا المنطلق كانت هناك بعض الأسس التي تحدد وفقها مصطلحات القرابة
ب‌-  بعض أسس التصنيف القرابي :
 تصنف القرابة و مصطلحاتها على أساس :
               -الجيل :فهناك جيل الأجداد و الآباء و جيل الشخص و جيل أبنائه ....
               - الجنس : و يتم التفريق بين الأقارب تبعا للجنس (ذكر ، أنثى)
               - المصاهرة :و يرتبط بطبيعة الزواج و بدرجة تقبل بعض الأصهار البعيدين نسبيا.
               - خط النسب : حيث يتم التمييز بين التسلسل القرابي المباشر ( جد ، خال ، عمة،
                خالة ....) والتسلسل القرابي غير المباشر ( عم ، خال ، عمة ، خالة ) ......إلخ .
و في تحليل النظام القرابي يتم الرجوع إلى الأنماط المختلفة للزواج و أنواعه و تصنيف الأسر و أنواعها ، ففي مجال الزواج نجد أن هناك نمطين بارزين :    
-         النمط الأول : هو نمط الزواج الاغترابي ( الزواج من خارج المجموعة القرابية )
  
  -         النمط الثاني : و هو نمط الزواج الداخلي حيث الزواج من داخل المجموعة القرابية
أما الأسرة فنجد أنها تتكون بدورها من عدة أنماط لكن أبرزها هي :
-         نمط الأسرة النووية أو الأحادية : تتكون من الزوج و الزوجة و الأبناء و يشتمل هذا النمط على جيلين اثنين ( جيل الآباء و جيل الأبناء).
-         نمط الأسرة المتعددة : و تتكون من مجموعة من الأسر النووية و تشمل على أجيال كثيرة ( جيل الأجداد و الآباء و الأبناء و الأحفاد .....) و هناك العديد من أنماط الأسر كالأسرة متعددة الأزواج ، و الأسرة متعددة الزوجات .....إلخ.
ج- القرابة عند كلود ليفي ستروس : ترتكز القرابة عند ليفي ستروس على كيفية نشأة الأسرة ، فالعنصر الأساسي في تشكيل الأسرة عنده هو الخال  و بهذا و من منطلق اهتمام ليفي ستروس بالبنيات المتحكمة في الظواهر تكون البنية" الخالية " ( نسبة إلى الخال ) هي المتحكم الأساسي في ظهور الأسرة و ذلك نظرا لأن أي مجتمع يقوم أساسا على قاعدة " تحريم زواج المحارم" و هي القاعدة التي تحرم على الرجل من الزواج بأخته فيقوم بالتنازل عنها إلى رجل آخر كما يتزوج هو من إمرأة أخرى ، ويرى ليفي ستروس أن هذه القاعدة التي تعادل " البنية الخالية " هي بمثابة قانون ذهني عقلي حاضر في اللاوعي الانساني ، و هي البنية الأساسية المتحكمة في تنظيم الأسرة .  
و إذا كانت موضوعات الثقافة و البناء الاجتماعي و نظام القرابة موضوعات أساسية للدراسة الأنتروبولوجية فإن هناك نظم أخرى لا تقل أهمية عنها كالنظام الديني و النظام السياسي و الاقتصادي ....إلخ ، و هي كلها محل للدراسة في مجال الأنثروبولوجيا .


الاتجاهات و النظريات الأساسية في الأنثروبولوجيا :
     منذ أن استقرت الأنثروبولوجيا علما قائما بذاته برزت العديد من الاتجاهات تناول الأنثروبولوجيون انطلاقا منها مختلف الموضوعات الأنثروبولوجية و لقد كانت نظرية التطور في مجال البيولوجيا و التي أسس دعائهما " تشارلز داروين" ملهما حقيقيا للأنثروبولوجيين الأوائل الذين تناولوا  الثقافة و المجتمع بنظرة تطورية ، لكن أسس التفسير تعددت باتساع الدراسات في الحقل الأنثروبولوجي و بروز اتجاهات و نظريات اجتماعية لها القدرة على التحليل و التفسير ، ولعل أهم اتجاهات و نظريات دراسة الأنثروبولوجيا ما يلي :
1/ الاتجاه التطوري :
كان هذا الاتجاه قد احتضن نشأة الأنثروبولوجيا حين ظهورها كعلم خلال القرن الـ 19 م فكان الأنثربولوجيون يحاولون فهم كيفية نشأة و تطور المجتمعات و ثقافتها فحسب التطوريين يمثل تاريخ الانسانيىة و تاريخ الثقافة بما يضم من عادات و تقاليد و تنظيمات .... خطا متصاعدا كما أن البشرية تمر بمراحل خلال تطورها التاريخي فتتدرج من الأشكال البسيطة إلى الأشكال المعقدة إلى الأكثر تعقيدا ، و هذه السيرورة ملازمة لكل المجتمعات و الثقافات نتيجة الوحدة النفسية المشتركة بين البشر.
يرى لويس مورغان( 1818-1881 )  أن المجتمعات تمر بمراحل تطورية حيث كل مرحلة تشكل نمطا معينا طبقا لمراحل التطور التي تتمظهر في طبيعة العلاقات الاجتماعية و طبيعة النظم التي تميزها ، فكل المجتمعات عنده تخضع في تطورها لقانون واحد طالما أن تاريخ الجنس البشري و أصل الإنسانية واحد ، و عليه يصل مورغان إلى أن البشرية تطورت عبر ثلاث مراحل أساسية :
1-    مرحلة التوحش ( الهمجية ) : و يقسمها إلى ثلاثة مراحل هي مرحلة التوحش الدنيا و مرحلة التوحش الوسطى و مرحلة التوحش العليا و يوضح مورغان أن هناك ارتقاء ثقافي خلال الانتقال عبر كل مرحلة في تقنيات العيش و النظم الاجتماعية .
2-    مرحلة البربرية و تنقسم بدورها إلى ثلاث مراحل دنيا و وسطى و عليا .
3-    مرحلة المدنية ( الحضارة) و هي التكي تتميز باختراع الكتابة و الحروف الهجائية و هي مازالت ممتدة إلى اليوم .
كما يعد إدوارد تايلور (1832-1917) واحدا من رواد هذا الاتجاه حيث اعتبر أن الثقافة عنصر مساعد لفهم التاريخ الإنساني طالما أنها ظاهرة تاريخية تميز الانسان دون غيره  و يكتسبها بالتعلم من المحيط الذي يعيش فيه ، و بهذا المعنى تكون الثقافة هي حصيلة ما يكتسبه الفرد في المجتمع ، و من هذا المنطلق يرى تايلور أن " دراسة الثقافة هو دراسة تاريخ تطور الفرد في المجتمع باعتبارها العملية التاريخية العقلية لتطور عادات الانسان و تقاليده من حالتها غير المعقدة إلى حالتها المعقدة فالأكثر تعقيدا " ، كما يعتقد تايلور بتطور فكر الإنسان في مجال الاعتقاد ، ففي البدء بدأ الانسان بمحاولة التفكير في القرين الملازم لجسم الانسان و هو الروح ثم تدرج إلى وجود أرواح تسكن الطبيعة مثل الروح التكي تسكن جسد الانسان ، فقام بتأليه هذه الأرواح لكنه اهتدى أخيرا إلى فكرة الإله الواحد كمرحلة أخيرة تعبر عن منتهى تفكير الإنسان و يبدو أن مراحل التطور لم تكن حتمية ملزمة بالنسبة لتايلور كما كان الحال عند لويس مورغان في عده لمراحل التطور البشري ، و رغم تصنيف تايلور ضمن الاتجاه التطوري إلا ان آراءه لم تخل من القول بانتشار الثقافة فهي حسبه" مثل النباتات تتصف بالانتشار أكثر من كونها تتطور ، فالناس أخذوا من جيرانهم أكثر مما اخترعوا و اكتشفوا بأنفسهم " .
كما كانت إسهامات جيمس فرايزر (1854-1941) في مجال التطور بتطرقه إلى تطور المجتمعات من خلال ثلاث محطات هي : السحر و الدين و العلم ....إلخ.
2/الاتجاه التاريخي : ويتزعمه العالم الألماني فرانز بواز ( 1858-1942) والذي كان رائدا لهذا الاتجاه في أمريكا وبفضله تم الانتقال من النظرة الخطية التطورية للتاريخ كما كانت عليه نظريات التطوريين إلى دراسة ثقافات محددة كثقافة العشائر و القبائل مع التأكيد على ضرورة دراسة هذه الثقافات في إطار منطقتها الإقليمية الثقافية ، و الهدف من ذلك هو معرفة أصول و تواريخ الثقافات و تحديد خصائصها و لكن الهدف الأسمى يتجلى أخيرا في المقارنة بين هذه التواريخ و التي تميز هذه الثقافات من أجل الوصول إلى القوانين العامة التي تحكم نموها و تطورها .
3-   الاتجاه الانتشاري : يرى أصحاب هذا الاتجاه ان الاتصال بين الجماعات و الشعوب أدى إلى انتشار بعض السمات الثقافية ، فعملية الانتشار الثقافي تنطلق من مركز ثقافي إلى باقي المناطق كما أن الانتشار يتم أيضا من خلال انتقال السمات الثقافية من جماعة سابقة إلى جماعة لاحقة ، و تعتبر فكرة " المنطقة الثقافية " التي طورها "وسلر " ( تلميذ بواز) أداة هامة في دراسة الثقافة  و جوهرها تقسيم و تصنيف ثقافات العالم إلى مجموعات ثقافية بناء على تشابه العناصر الثقافية التي تكونها ، و المنطقة الثقافية إقليم يضم مجتمعات إنسانية متشابهة الثقافة ، و من أجل تحديد و تمييز منطقة عن أخرى يتم تتبع مدى انتشار العناصر الثقافية المميزة لتلك الثقافة ( طرق و أدوات الصيد ، طهي الطعام .....) مثلما فعل الأمريكي "سابير" الذي حاول تحديد مدى انتشار عناصر " رقصة الشمس " عند هنود السهول بأمريكا الشمالية ، و في أنجلترا برز من يقول بوجود مركز للثقافة تنطلق منه إلى باقي أنحاء العالم و خير مثال على هذا العلامة " إليوت سميت"  الذي رأى بأن مصر القديمة هي مركز كل الثقافات الحالية حيث انتشرت العناصر الثقافية من مصر إلى باقي أنحاء العالم ، فقد كانت نظرة سميت هذه مؤسسة على تشابه الآثار المختلفة في العالم مع الآثار التي اكتشفها عالم الآثار " بتري" كنظم القرابة و فن التحنيط و عبادة الشمس ....إلخ .
4-   الاتجاه التناسقي التكاملي :  و مفاده ضرورة النظر إلى الثقافة ككل متكامل يجمع بين  الأفكار و المشاعر من جهة و السلوك الظاهر من جهة ثانية ، و قد كان " سابير " من الممهدين لهذا الاتجاه من خلال نظرته للثقافة في صورة تفاعل الأفراد فيما بينهم و ما ينتج عن ذلك من معان و مشاعر مشتركة لذلك يعرف الثقافة بأنها كل متكامل من أنماط فكر و عواطف و أنماط عمل "، و تعد العالمة الأمريكية " روت بندكت" واحدة من أهم الممثلين لهذا الاتجاه و يتجلى ذلك في قولها بأن الثقافة مثل الفرد لديها نمط متناسق من الفكر و العمل ، كما أنه لفهم الثقافة لابد من الأخذ في الاعتبار الاتجاهات العقلية و الشعورية السائدة فيها و القيم و الأهداف المشتركة بين أفراد المجتمع الذي تتم فيه دراسة الثقافة ، ففي دراستها لبعض القبائل الهندية في جنوب غرب أمريكا الشمالية وجدت بندكت اختلافا بين القبائل فمنها التي تركز على المظهر الخارجي للسلوك و تهتم بالطقوس و احترام العادات و التقاليد أطلقت عليها اسم " ثقافات منبسطة " و منها التي تتميز بالعدائية و تعطي للدافع النفسي الداخلي أهمية أكبر من العوامل الخارجية و أطلقت عليها اسم " ثقافات منطوية " و الوصول إلى فهم ثقافة ما لابد أن يأخذ في الاعتبار السلوك الظاهري في صوره المتكررة و مختلف الاتجاهات العقلية الشعورية في تناسقها و تكاملها .
5-   الاتجاه البنائي الوظيفي : يعد البناء و الوظيفة من المفاهيم  المحورية في تحليل المجتمع و في الأنثروبولوجيا الاجتماعية يشير مفهوم البناء الاجتماعي إلى " مجموعة العناصر التي تقوم بينها علاقات تعبر عن كل العمليات القائمة بين هذه العناصر " و قد كان لـ " راد كليف براون" الدور الأكبر في بلورة هذا المفهوم فهو يشير عنده إلى" نوع من الترتيب بين الأجزاء التي تدخل في تركيب الكل وذلك لأن ثمة علاقات وروابط معينة بين الأجزاء التي تؤلف الكل وتجعل منه بنية متماسكة " وتشير الأجزاء المشكلة للكل إلى مختلف النظم الاجتماعية كما تشير حسب براون إلى الأشخاص ( أب – أخ ..) باعتبار علاقاتهم الاجتماعية وليس الأفراد باعتبارهم كائنات بيولوجية ، ويدرس البناء الاجتماعي مرتبطا بالوظيفة ، فالوظيفة هي " الدور الذي تؤديه الأجزاء (البناء الفرعي) داخل البناء الكلي للمجتمع" .
وقد اهتم مالينوفسكي بالوظيفة التي تؤديها الثقافة فهي حسبه تعمل على إشباع حاجات الأفراد في جميع النواحي ، كما أن النظم الاجتماعية المختلفة تؤدي وظائف مختلفة كل حسب طبيعته كالنظام الاقتصادي الذي يؤدي وظيفة توفير الحاجات الغذائية  والنظام الديني الذي يؤدي وظيفة الضبط الاجتماعي ...الخ ، وهذه الوظائف تؤدي مجتمعة إلى تحقيق الوظيفة العامة للبناء الكلي وهي المحافظة على بقائه واستمراره .
6-   الاتجاه البنيوي الأنثروبولوجي : ويتزعم هذا الاتجاه العالم الأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي ستروس ، وتحيل البنيوية إلى وجود بنيات تتحكم في العلاقات والظواهر الاجتماعية ولئن كانت أعمال ليفي ستروس منصبة على المجتمع وظواهره ( المجتمعات البسيطة وظواهرها كأنماط القرابة والأساطير ...) فإنه استمد مفهوم البنية من حقل اللغة ومن أعمال فرديناند دي سوسير التي تركز على اللغة كنسق نحوي شكلي يتكون من بنيات (كلمات وجمل) وهذا التناسق هو الذي يحدد المعنى ،  يستعير ليفي سروس من الألسنيين طريقتهم في دراسة اللغة ليطبقها على المجتمع فيقول في هذا السياق " إننا نريد أن نتعلم من الألسنيين سر نجاحهم ، ألا يسعنا نحن أيضا أن نطبق على هذا الحقل الذي تدور فيه أبحاثنا ( القرابة – التنظيم الاجتماعي – الدين – الفلكلور- الفن ..) تلك المناهج الصارمة التي تبرهن الألسنية كل يوم على فعاليتها " ، إذا حسب ليفي ستروس هناك بنيات أساسية تتحكم في سيرورة المجتمع ، فإذا كانت مختلف النظم والأجزاء المجتمعية بالنسبة للأنثروبولوجيين هي البنيات الأساسية المتحكمة في المجتمع فإن هذه البنيات حسب ليفي ستروس تخفي خلفها  البنيات الحقيقية المتحكمة في الواقع الاجتماعي ، لكن البنية الأساسية حسبه والتي تتخفى خلف هذه البنيات هي بنية العقل الإنساني كبنية نهائية لا شعورية ، وإذا كان الضمير الجمعي عند دوركايم واللا شعور عند فرويد هو المتحكم في الظواهر الاجتماعية والانسانية فإن بنية العقل وتركيبته هي المتحكمة في مختلف أنماط التفكير ونظم القرابة والدين وغيرها لدى كلود ليفي ستروس

الخميس، 18 أغسطس 2011

أحداث بريطانيا والنظام الرأسمالي

سفيان ميمون

رغم أن العالم الغربي يعيش جوا من الديمقراطية السياسية التي خولت له التفاخر والتطاول والإعتداد بتنصيب ذاته مركزا للتحكيم وتنفيذ إجراءات الثواب والعقاب السياسي والعسكري على باقي الشعوب إلا ان هذه الديمقراطية السياسية – كما يبدو من أحداث لندن الأخيرة – لم ترفق بديمقراطية اجتماعية تتقارب خلالها حظوظ الأفراد ومستويات عيشهم ، بل إن الظاهر هونوع من الحقد الإجتماعي من طبقات ضد طبقات أخرى ، وإلا ماهو التفسير الذي يمكن اعتماده في عمليات الهجوم المنظمة ضد المراكز التجارية الكبرى بدل الهجوم على مؤسسات حكومية سيادية أو أمنية .

قد تكون هذه المؤسسات محصنة أمنيا بحيث يصعب النيل منها بنفر من مثيري الشغب ، لكن ذلك لا يبرر البتة هجوم الشعب ضد الشعب إذا كان المشكل هو نظام الحكم الذي لم يوفق في إتاحة الفرص أمام الشباب من أجل العمل والعيش بشكل أفضل .

ربما يكون الشكل الأفضل للعيش وحده الدافع أمام تنامي ثروات أفراد وطبقات وانحسار هذه الثروة لدى أفراد وطبقات أخرى من الذين لم يكن لهم حظ الإندماج في سيرورة اللعبة الرأسمالية المتوحشة التي رمت بهم إلى أطراف المجتمع – حسب نظرتهم طبعا – لأن المجتمع الرأسمالي لا يصنع فقط الفوارق الاجتماعية ، إنه يقوم بهذا فعلا ولكنه أيضا يصنع نظرة الطبقات التي يصنع واهتمامها وتفكيرها وسلوكها .

لقد شكلت تركيبة النظام وطبيعة العلاقات السائدة ذهنية الفرد وسلوكه وثبت أن النزعة المادية التي كرستها الرأسمالية تعمل اليوم على هدم المجتمع وخلخلة النظام من خلال الإحساس المتزايد بالتفاوت المادي لدى الطبقات التي لا تملك كالآخرين الذين سمح لهم السياق الإجتماعي بزيادة أموالهم وبالتالي زيادة مكانتهم وسلطتهم ونفوذهم .

إن إلغاء النزعة المادية لكل روحانية جعل هم الشباب الثائر الحصول على الأموال وإن كانت حين عدها دراهم معدودات ، كما بدا على شاشات التلفاز لشاب ماليزي كان ينزف دما إثر سقوطه جريحا ، وقد بادرت مجموعة من الشباب لإسعافه ، لكن هؤلاء الشباب – كما أظهرتهم الكاميرات – بادرو إلى أخذ الأموال التي كانت معه من حافظته .

الهم هو المال وليس شيئا آخر ، الهم هو العيش الأفضل كالآخرين والقدرة على شراء كل متاع مما تنتجه التكنلوجيا الحديثة وليس شيئا آخر ، لا تهم حالة هذا الشاب المتألم وإن كان معهم في الصف ، لقد غابت كل روحانية وإحساس بالآخر ، نفسي نفسي ، ليس شعار الناس في الآخرة حينما لا تجد سوى محمد صلى الله عليه وسلم ينادي: أمتي أمتي ،ولكنه شعارهم في الدنيا وفي بريطانيا تحديدا كنقطة من نقاط الرأسمالية الرئيسة .

السرقة والنهب عمل مشين وهو في نظر القائمين على دولة بريطانيا العظمى كذلك ، لكن الذي دفع إلى هذا السلوك هو طبيعة النظام القائم ( النظام بمعناه العام وليس فقط النظام السياسي ) الذي أفرز أخلاقا من جنسه وضعت قيد التنفيذ ، فمن العجب أن ينتج هذا النظام أخلاقا ويهيء ذهنيات ويصنع اهتمامات وأذواق ثم يستغربها حينما تتحول إلى سلوكات ويستهجنها وهي من صلبه .

لقد كان النظام الرأسمالي عماد التطور التكنلوجي الحاصل ، فأسهم في تطوروسائل العيش ووسائل الموت ( الأسلحة ) على حد سواء ، وسائل الإتصال والإعلام والنقل وغيرها ..، مما قلل من عناء الإنسان في الوصول إلى ما يريد ، رغم أن إرادة الإنسان ورغبته زادت مع زيادة وانفجار هذه الوسائل ، فلم يعد همه لقمة عيش فحسب ، نعم لم تعد الرفاهية تقاس بتوفر رغيف خبز يؤكل ومسكن يؤوى إليه ، ولكن الرفاهية اليوم في عصر التكنلوجيا هي اكتساب كل جديد ، والتمتع بمزاياه والتفاخر به ، من أجل ذلك أصبحت التكنلوجيا تمثل إغراء حقيقيا تستدعي التضحية من أجله ولو باللجوء إلى النهب والسرقة في غياب دخل كاف لتوفير كل مرغوب فيه مما ينتج .

هكذا أكلت التكنلوجيا الإنسان وأضحت أصلا له بدل أن يكون هو الأصل والمحور الذي ينتج القيم والمعايير ، لقد أصبحت الحضارة الغربية الحديثة القائمة على المادة هي المحور الذي ينتج هذه القيم ، فالإنسان كما يرى " هربرت ماركيوز" أصبح تابعا لمقتضيات هذه الحضارة التي فرضت عليه منطقها ، فأصبح يتصرف بمقتضاها بدل أن يوجهها بمنطق " الإنسان " ، من أجل هذا فقد الفرد كل روح و أصبح منطق المادة المتحكم الوحيد في فعل وسلوك الفرد .

قد تختلف أحداث بريطانيا عن الأحداث القائمة في الشرق ، فواقع لندن يختلف عن واقع تونس والقاهرة وطرابلس ودمشق وصنعاء ولكن ذلك ليس مطلقا ، فالحضارة الحديثة وهي حضارة مادية جعلت من العالم قرية صغيرة كما يرى " ماكلوهان " يتعولم فيه كل فعل وكل سلوك وكل اهتمام ، فلا غرابة أن يتعولم اهتمام الفرد بإسقاط كل نظام يقف أمام رغبته في العيش الكريم والرفاهية والقدرة على توفير ما تجود به التكنلوجيا الحديثة وإن اختلف هذاالنظام من قطر إلى قطر ومن بلد إلى آخر ، هكذا فسواء كان النظام الذي يراد إسقاطه نظام حكم طاغ أو نظام رأسمالي متوحش ، فإن عصر التكنلوجيا أخرج لنا نواميسه التي يجب أن نعرفها جميعا وهي أن تفكير الإنسان وسلوكه أصبح خاضعا لمقتضيات الواقع المادي الذي ساهمت في صنعه الحضارة الرأسمالية الحديثة .

نشر المقال بصحيفة القدس العربي عدد6903 في 22أوت 2011الرابط / http://alquds.co.uk/index.asp?fname=today\21j468.htm&arc=data\2011\08\08-21\21j468.htm

الخميس، 31 مارس 2011

معمر والغرب

سفيان ميمون كلمة
تتداول ألسن كثير من الناس كلمات تشيد بالعقيد معمر القدافي فهو رجل وفحل ...لكن هذه الكلمات وبردها إلى الاوعي الذي انطلقت منه تعبر أكثر ماتعبر عن تلك الرغبة المكبوتة في الانتصار على الغرب الذي طالما انتصر علينا وتفنيد صدق هدا الغرب في هبته لنصرة المدنيين في ليبيا العزيزة ، هؤلاء لا يقدرون العقيد لذاته فقد أطلق العنان لكتائبه كي تطلق النار على العزل من أبناءشعبه ولكنهم يريدون إرسال رسائل بلا عنوان لكنها ليست ضائعة لأنها ستصل إلى كل عنوان ، رسائل فحواها أن هؤلاء الذين نستعين بهم لضرب ليبيا كي يخلصو المدنيين من طغيان نظام القذافي هؤلاء الحلفاء ، ومجلس الأمن هذا هم الذين لم يريدوا تخليص المدنيين في غزة من طغيان إسرائيل خلال السنوات الماضية والتي كانت تقصف رؤوسهم بطائرات أف 16، لم يبلور مجلس الأمن قرارا نافذا بل لقد كان الحديث حينها عن حماية المدنيين الاسرائيليين الذين كانوا يسمعون صوت الرصاص بينما يموت الفلسطينيون في غزة بقنابل الطائرات الحربية على مرأى العالم كله إذ كانت كل القنوات الفضائية تنقل الأحداث من عين المكان ، فهل بعد هذا يمكن أن تكون ثقة في مجلس الأمن وفي حلف شمال الأطلسي الذي دمر العراق بلد الحضارة وعاد بها إلى ماقبل البداوة ، القضية كما يقر بذلك كل المحللين السياسيين هي قضية مصالح فكل دولة لها مصالحها من وراء مشاركتها في قصف ليبيا وفرض رقابة جوية عليها والثوار الليبيون لهم أيضا مصالحهم المعروفة والمشروعة في آن ، ولكن من سيعيد لليبيا حالها الطبيعي إذا رأت بعض الدول القوية أن مصالحها لم تتحقق بعد ، ومن سيوقف طغيان هذه الدول إذاسيطرت على المنطقة وتمادت في طغيانها الدولي على أرض عربية إسلامية ، لا يؤتمن الغرب ....

السبت، 5 فبراير 2011

لعبة الاستحمارتستمر

سفيان ميمون - الجزائر

كان علي شريعتي قد نبه إلى عملية الاستحمار التي تتعرض لها الشعوب من قبل الحاكم المستبد،فهذا الحاكم لايثنيه شيء عن الاستمرار في ابتداع السبل والكيفيات التي يطيل بهامدة حكمه من خلال تغييب العقل في عقله وطبع المجتمع بطابعه وشكله ، و هو الأمر ذاته لدى الكواكبي الذي حاول إيضاح سبل الراعي في إخضاع الرعية وجعلهم تحت سلطته في كل تفاصيل الحياة .

لايبد و ثمة اجحاف إذا قلنا أن الصفات الملازمة للحاكم العربي اليوم هي ذاتها الصفات التي طالما ظلت ملتصقة به منذ زمن بعيد ، ولاعجب أن يتغير الزمن ولا تتغير الصفات الملازمة للحاكم ، إذ أن الحاكم نفسه هو الذي كان وهو الذي أصبح وهو الذي يريد أن يبقى ويخلد ، لكن هيهات ...فقد نما الوعي وانفجرت المعرفة ، إنه مجتمع المعرفة الذي نحياه ، لم تعد تكفي الهراوات من أجل تمرير سياسة أوتثبيت قانون ، ولم تعد تكفي أيضا الأيديولوجيات الجاهزة ، با عتبار ضرورة المزج بين ماهو قمعي وماهو أيديولوجي كما هي نظرة ألتوسير الذي يرى أن الدولة تحتاج من أجل بسط سيطرتها إضافة إلى أجهزتها القمعية كالشرطة والجيش ...إلى أجهزة أخرى غير مادية ، أجهزة أيديولوجية تسوق ضمن محتويات القانون والسياسة ومناهج الدراسة ...، لم تعد الأيديولوجيا الجاهزة كافية إذن لأن هناك غربالا جديدا هو غربال الوعي الاجتماعي الذي اتجه اتجاها نقديا مستمدا هذا الاتجاه من التناقض الواضح والصريح بين ما يقال في د وائر الحكم وبين الواقع الفعلي والحقيقي ، ومستمدا إياه كذلك من معرفة الواقع في كليته وشموليته ،هذا الواقع الشامل لكل الجغرافيا وكل التاريخ وكل السياسة وكل العلاقات بين الحكام والمحكومين والحكام والحكام والمحكومين أنفسهم ، إن المعرفة بالواقع في شموليته هي معرفة بجزئيات هذا الواقع وهي بذلك معرفة بسياسات حاكم من الحكام أو نظام من الأنظمة.

لم يتغير كثير من حكامنا العرب منذ زمن طويل ، ولم تتغير أنظمة الحكم كذلك ، بينما تغير المجتمع وتغيرت ثقافة الأجيال ، فثقافة "الرعية " اليوم تشكلها قيم جديدة تختلف تماما عن القيم التي حكمت مجتمعات سابقة لم تعش هذا التدفق الهائل للمعلومات والمعارف ،لقد ثبتت هذه المعارف نفسها سلطة بديلة عن السلطة التقليدية ( السلطة السياسية) حيث أصبحت تفرض نفسها على إنسان العصر الحاضر فيستمد منها هوأيضا سلطته في التعاطي مع الواقع و وعيه و العمل على تجاوزه .

لقد تمادت الأنظمة العربية في ممارسة مختلف أشكال الاستحمار و الاستخفاف بالعقل في مختلف الحقب و الفترات و حتى في أحلك الأوقات التي تعيشها ، و خاصة الأوقات التي يبرز خلالها نمو واضح للوعي الاجتماعي ، فقد رأينا كيف حاول الرئيس المصري التمادي في سياسة الاستحمار من خلال خطابه الذي أعقب الثورة الشعبية المناهضة لحكمه حيث أعلن عن إجراءات "في غاية الأهمية" و هي إقالة الحكومة القديمة و تعويضها بحكومة جديدة هادفا من وراء ذلك إلى إسكات الأصوات التي خرجت إلى الشارع مطالبة بتنحيته عن الحكم ،لكن سعيه هذا ذهب في مهب الريح لأن الجماهير الثائرة لم تأت للتجمهر والتظاهر و هي مدفوعة بالخبزو الحليب كما كانت عليه الحال في السابق ....و إن كان الخبزو الحليب و تحسين الوضعية الاجتماعية من المطالب الأساسية لهذه الجماهير، و لكنها مدفوعة بالوعي المستمد من الانفجار الهائل للمعرفة و المعلومات و الدور الرهيب الذي أصبحت تلعبه وسائل الإعلام و الاتصال في كشف الواقع الاجتماعي و السياسي و الاقتصادي و تزويد "الرعية" باخبار كافية عن " الراعي" أي توعيتهم بحاله وبحالهم أيضا من خلال معرفة من يحكمهم ، وكيف يحكمهم، وماذا يريد من وراء حكمه إياهم ، ثم إن نظام سيادة الرئيس يوغل في سياسة الاستحمار من خلال عدم الاستجابة للمطالب الشعبية الداعية إلى رحيله و ابتكار و ركوب سياسات جديدة لعلها تحفظ له ولزمرته كرسيه الدافيء من طول مدة جلوسه على هذا الكرسي ، من هذه السياسات و التي انتبه إليها كثير من المحللين والتي انتشرت عبر وسائل الاعلام خلق فئة من الأفراد و حثهم على التظاهر تظامنا مع الرئيس ثم تثوير هذه الفئة من أجل إيهام الرأي العام( استحمار الرأي العام) بشدة تمسك طرف من الشعب المصري بهذا النظام ، لكن الانفتاح على التكنولوجيا وقوة وسائل الاعلام و سرعة انتشار المعلومة فضح سياسة سيادة الرئيس فعاد الاستحمار على النظام ، وأصبح العالم كله يضحك على هذه السياسات الساذجة ، فالكبير و الصغير والرجال و النساء كلهم يضحكون و يتهكمون على هذه السياسات الواضحة الشفافة ، لقد عاد الاستحمار معكوسا : الجمهور الواقع تحت سلطة المعرفة يعمل بوعيه المكتسب على استحمار حكامه .